كتب : أحمد أكلكيم
مع استمرار الحرب المدمّرة على غزة، لم يقتصر دور وسائل الإعلام على تغطية الميدان، بلتجاوزته لتقديم خطاب جديد يُعيد تشكيل الوعي العام العربي والدولي. القنوات الإخباريةوالمواقع الإلكترونية وجدت نفسها أمام مشهد دموي غير مسبوق، تطلّب منها ليس فقط نقلالخبر، بل ابتكار مفاهيم ومصطلحات جديدة تترجم حجم المأساة وتعكس عدالة القضيةالفلسطينية من منظور إنساني وسياسي في آن.
“الإبادة الصامتة”: اللغة تكشف التواطؤ
أحد أبرز المصطلحات التي تكررت في التغطية الإعلامية هو “الإبادة الصامتة”، والذي يشير إلىحجم الدمار والقتل الجماعي في ظل غياب المواقف الدولية الحاسمة. وهو تعبير لا يُحمِّلالاحتلال فقط مسؤولية المجازر، بل يُدين صمت المنتظم الدولي، خاصة القوى الكبرى.
“قبة الدم”: مفارقة الرموز العسكرية
في مقابل “القبة الحديدية” الإسرائيلية، ظهرت عبارة “قبة الدم” في عدد من العناوينوالتحليلات، في إشارة إلى السماء المشتعلة بالصواريخ والنيران فوق رؤوس المدنيين، ممايُحوّل كل حي في غزة إلى ساحة موت مفتوحة لا تحميها أي تقنية دفاعية.
“التهجير الناعم”: حرب بدون جرافات
مصطلح آخر أفرزته التغطية، هو “التهجير الناعم”، ويُقصد به دفع السكان الفلسطينيين إلىالنزوح القسري دون استخدام مباشر للقوة العسكرية التقليدية، بل عبر القصف المتواصل، قطعالخدمات، تدمير البنى التحتية، وخلق بيئة طاردة للحياة، وكأن الموت يصبح الوسيلة الوحيدةلإجبار الناس على الخروج من ديارهم.
“التطهير الحضري”: استراتيجية تفريغ الأرض
توظّف بعض التحليلات الإعلامية تعبير “التطهير الحضري” في توصيف تدمير الأحياء السكنيةالكثيفة، لاسيما في مدينة غزة وخان يونس، ما يُعبّر عن نية مبيّتة لإعادة رسم الخريطةالديمغرافية عبر محو الهوية العمرانية.
“مجزرة رقمية”: تسليح التكنولوجيا ضد الرواية الفلسطينية
مع سيطرة الاحتلال على البنية التحتية للاتصالات، ظهرت مفاهيم مثل “المجزرة الرقمية”، فيإشارة إلى استهداف شبكات الاتصال، وتعطيل الإنترنت، ومراقبة وسائل الإعلام المحلية، مايجعل الرقابة والحصار المعلوماتي جزءًا من أدوات الحرب.
مفاهيم تترسخ في المخيال الإعلامي
هذه المصطلحات، وغيرها مثل “الصمت الدولي الممنهج”، “اللاعدالة الدولية”، “جثث بلاصوت”، و”النزوح بلا رجعة”، تعكس تطورًا مهمًا في القاموس الإعلامي العربي، لا على مستوىالتعبير فقط، بل على مستوى التأطير. فوسائل الإعلام لم تعد تكتفي بوصف ما يحدث، بلأصبحت تنتج معنى جديدًا يُقاوم محاولات التشويه والتبرير التي تسوّقها بعض المنصاتالغربية.
حين يتبنّى الجمهور المفردة: التفاعل الشعبي يُشرعن المصطلح
ما يلفت الانتباه في التغطية الإعلامية الأخيرة للحرب على غزة، ليس فقط ابتكار المصطلحاتالجديدة، بل السرعة التي تبنّاها بها الجمهور العربي على مواقع القنوات الإخبارية والمواقعالإلكترونية. فقد تحولت هذه المفاهيم من أدوات تحليلية إلى شعارات متداولة، تظهر فيعناوين التعليقات، والمقالات التفاعلية، وحتى في المنشورات المصغّرة على الصفحات الخاصةللمواقع.
فعبارات مثل “الإبادة الصامتة” أو “التهجير الناعم” لم تعد محصورة في أروقة التحرير، بلأصبحت تتردد في تعليقات المستخدمين الغاضبين، الرافضين للتواطؤ الدولي، والمطالبينبكسر الحصار الإعلامي عن غزة. أما مصطلح “قبة الدم” فقد اختُزل في وسم (هاشتاغ) ضمنبعض المواقع الإخبارية التي تتيح خاصية التفاعل الفوري مع الأخبار، مما يدل على أن الجمهورلم يعد متلقيًا سلبيًا، بل فاعلًا لغويًا وسياسيًا في رسم المعنى والرسالة.
كما ساهم هذا التفاعل الجماهيري في شرعنة هذه المصطلحات وجعلها جزءًا من الخطابالعام، حتى أصبحت أحيانًا أكثر تعبيرًا عن الواقع من المصطلحات القانونية أو الأكاديمية. وهناتبرز أهمية الإعلام الرقمي كجسر بين التغطية المهنية والموقف الشعبي، حيث تتداخل اللغة معالموقف، والحدث مع الضمير الجمعي.
لغة الحرب… مرآة للضمير الصحفي
إن ما أفرزته الحرب على غزة من مصطلحات جديدة ليس مجرد انعكاس للواقع الدموي، بل هوفي حد ذاته فعل مقاومة لغوية. فحين تعجز المنظمات عن التصنيف القانوني للجرائم، تتدخلاللغة الإعلامية لتوصيف الفظائع، ومن ثمّ تشكيل رأي عام أكثر وعيًا وعدالة. وفي زمن أصبحتفيه الكلمات تُقاوِم مثلها مثل البنادق، فإن هذه المفردات ليست حيادية، بل هي إعلان موقفمهني وإنساني لا يقل أهمية عن نقل الحدث نفسه
أحمد أكلكيم
صحافي ،باحث في علم الاجتماع الإعلامي
دار بوعزة في: 21 يونيو 2025

