نيويورك : عبد الكريم مؤمن
نحن في عالم تتزايد فيه التحديات، بمعنى لم تعد الحكامة الفعالة تقتصر على تلقي المطالب، بل تحولت إلى دعوة نشطة للشراكة، هدفها إيجاد الحلول ووضع خطط العمل معًا. هذا النموذج الجديد في القيادة ينقل الثقل من القائد إلى الشريك، مما يضمن أن الحلول لا تأتي من الأعلى، بل تُصاغ وتُنفذ من قبل من يمسهم القرار بشكل مباشر.
الحكامة التشاركية: استراتيجية للنهوض بالعالم القروي (ساعدني، ولكن بعد أن أريك كيف أفكر في حل مشكلتي).
في إطار سعي المغرب لتحقيق العدالة المجالية والنهوض بالعالم القروي، يمثل هذا النموذج التشاركي ركيزة أساسية. فعندما تتقدم جماعة أو منطقة بطلب دعم، لا يكون الحل الأمثل هو مجرد تقديم المال أو الحلول الجاهزة بل يفسر الدعم كنقلة من الإغاثة إلى التنمية . بل تقع على عاتق الجهات الداعمة، سواء كانت حكومة، منظمات غير حكومية أو شركاء، مسؤولية نقل عبء البحث عن الحلول إلى الطرف الطالب نفسه.
هذا النهج يدفع المجتمع المحلي إلى إنتاج أفكار خاصة به، والمشاركة في وضع الخطة، وتحمل مسؤولية طريقة التنفيذ، لكن بتوجيه خبراء ونقل التجارب لتفادي ضياع الوقت او تكرار السلبيات، وكما قال خبير التنمية جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل: (لا يمكنك فرض التنمية من الخارج، بل يجب أن تأتي من الداخل). هذه المشاركة لا تضمن فقط نجاح المشاريع، بل تعزز الشعور بالحضور والمشاركة والاعتماد على الذات لدى الساكنة، وهنا تحقق الهدف المزدوج وهو التربية على تقاسم المسؤولية ثم الإستقلالية في التدبير المحلي والجهوي لننتقل من التضامن إلى التكامل والتشارك، فكما ناقشنا سابقا، لن نسقط في فخ أن الجهات الغنية تدعم الجهات الفقيرة، وهذا هو الفرق بين ( الاسترضاء ) و ( التنمية).
الاسترضاء يخلق التبعية بين الجهة الغنية والجهة الفقيرة، بينما التنمية تخلق الشراكة ، لذلك نحن بحاجة الى ترابط وتلاقي المصالح، لان الدعم المستمر يقود للكسل وإفتقاد حس الإبتكار لإيجاد الحلول محليا، وكذلك يستكين الطالب للدعم لمسلمة أن الجهة الغنية ستقوم دوما بدفع الفاتورة نيابة عن الجهة الفقيرة.
تطبيق المبدأ: من الأب إلى القائد
هذا المبدأ الاستراتيجي يمكن فهمه بشكل عميق من خلال مثال بسيط ولكنه حكيم في العلاقات الإنسانية.
مثلا أنت أب لطفل، فعندما تسمع طفلك يصرخ، لا تضربه او تطلب منه السكوت والهدوء، بل عليك أولا بمعرفة لماذا يصرخ؟ ما المشكلة؟ وعندما تفهم المشكلة سوف تجد الحل، الضرب يكون للعاجز عن فهم المشكلة او المفتقد للحل، حسنا فهمت المشكلة، طفلك يطلب منك كرة قدم، تجلس وتمتص غضبه، تقول له: فكرة جيدة للعب مع أصدقائك وحتى أنا أشاركك اللعب عندما أعود من العمل، هنا الطفل سيرتاح لأنك تجاوبت مع فكرته وإحترمته، لكن عندك مشكل التمويل، هنا ستقول له: هاته الفكرة ممتازة لكن عندنا حاجز التمويل وعلينا التفكير في حل ذلك ( هنا تنقل المشكلة من عندك لتطلب حلول وإقتراحات من الطرف الذي طلب الدعم) هذا الطرف سيدخل معك في حوار بناء لأنه فهم انك تريد مساعدته ولكن تطلب منه المساهمة بالحل، هنا يبدأ التفاوض عن طريق طلب مهلة وخطة طريق وكيفية توفير التمويل، وعليك أيضا بدفعه لأداء خدمات للمشاركة بتسيير أمور المنزل مثل نظافة محيط المنزل، او تنظيف الاواني، وليس بعد، عليه أن يفكر إنطلاقا من نفسه في البحث عن طرق التمويل، وهنا تتفاوض معه بالجهد مقابل المال، …
هنا تجعل منه منتجا ومشاركا ومسؤولا وخلاقا للحلول، ويجب أن يعرف أن هذا مشكله هو ، وانت مجرد مساند مشارك مكمل لكنك لست الحل الكلي، وحتى لو كان ذلك العمل او الجهد المطلوب منه ثانويا او بسيطا لكن يجعله يصل للهدف وهو أن ترسخ في ذهنه أن الدعم هو مقابل الإنتاج والحل عن طريق الإبتكار ( بالطبع عليك أن تفهم شخصية ونفسية الطرف الآخر، فقد يكون فعلا يحتاج للدعم، أو فقط يريد إختلاق مشاكل وتعجيزك، خصوصا عندما يتداخل البعد السياسي في الموضوع بخصوص الجماعات مثلا).
هذا المبدأ ينطبق تماماً على القيادة. ففي سياق التنمية، يعتبر صراخ (مطالب إجتماعية إقتصادية) المناطق الخلفية نداءً للتعبير عن مشكلة. القائد أو المسير الموضوعي حتى لا أقول الذكي لا يرد بالرفض أو بفرض الحلول أو تقديم حلول ووعود وهو يعرف إستحالة أو صعوبة تطبيقها؟ فهو أصلا لا يعاني نفس معاناة الجهة الطالبة للدعم، بل يحاول فهم الحاجيات والحواجز ومطابقتها للواقع وللأولويات، ومن ثم يبدأ بالتفاوض، وهنا ينقل المشكلة التي عرضت عليه من عنده (هو) للطرف الشريك ويجعل منه جزءا من الحل، أي إشراكه في فهم المشكلة وأبعادها وتكلفتها والمساهمة بأفكار وبالخدمة او جزء من التمويل للوصول لذلك حتى يتحمل جزء من المسؤولية عن النتائج،
أي نصيغ الحكامة التشاركية بشكل لا تقوم فقط على الحوار، بل على التفاوض الواقعي:
ما هو الممكن؟ ما هو المستحيل الآن؟ ما هي الحلول المبدعة؟ ما الذي يمكن أن يقدمه الطرف الآخر؟
بهذا المعنى، يصبح القائد الحقيقي هو الذي يعيد صياغة المشكلة بلغة الحلول الجماعية.
وهذا يتطلب مهارات الذكاء الاجتماعي والسياسي، وليس فقط الإدارة..
الشراكة كاستراتيجية للمستقبل:
الحكامة التي تقوم على الشراكة هي استثمار في القدرات البشرية. إنها تعترف بأن التحديات اليوم لا يمكن حلها من قمة الهرم وحده، بل تتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف. هذا النهج لا يولد فقط حلولاً أفضل وأكثر ابتكارًا، بل يبني علاقات أقوى ومجتمعات أكثر مرونة. وكما قال الزعيم الراحل نيلسون مانديلا: لتقود الناس، عليك أن تسير خلفهم. وهو ما يعني أن القائد الحقيقي هو من يمنح الآخرين فرصة المشاركة في صناعة المستقبل، وكذلك تربيته على أن يتحمل مستقبلا عبئ الحياة إنطلاقا من أفكاره وخططه.
من هاته الجملة الأخيرة سوف يعرف مفهوم الحكامة تحوّلًا نوعيًّا يتجاوز الرؤية الكلاسيكية التي كانت ترتكز أساسًا على إشراك المواطن في القرار العمومي. فقد أفرزت التحديات الراهنة البيئية، الاقتصادية، الاجتماعية، والتكنولوجية نموذجًا جديدًا للحكامة، أكثر تطورًا وذكاءً، يُعيد رسم العلاقة بين المواطن، الدولة، وباقي الفاعلين.
من المشاركة إلى الحكامة الذكية
لم تعد الحكامة تُختزل في آليات التشاور والاستماع، بل أصبحت تقوم على استخدام المعطيات والبيانات الضخمة في اتخاذ القرار، وتبني مناهج استباقية تُمكن من التفاعل السريع مع الأزمات قبل وقوعها. كما تقوم على التكيف المستمر مع المتغيرات المجالية، واعتماد مقاربات بيئية تضمن الاستدامة، فضلاً عن نسج شراكات شبكية واسعة تضم الفاعلين العموميين والخواص والمجتمع المدني.
في هذا السياق، بات التدبير الترابي مطالبًا بالتحول من نمط عمودي تقليدي، إلى نمط تفاعلي مفتوح، يعتمد على تحليل الواقع المحلي بدقة، إنتاج الحلول محليًا، وتوزيع المسؤولية بين مختلف المتدخلين.
العدالة المجالية وإقلاع مناطق الظل: من التلقي إلى الفعل
تشكل العدالة المجالية إحدى التحديات الكبرى أمام السياسات العمومية في المغرب، خاصة في ما يتعلق بالمناطق القروية أو النائية، المعروفة (مناطق الظل). وقد أظهرت التجارب أن التدخلات المبنية على المنح أو المشاريع الجاهزة غالبًا ما تفتقر إلى الاستدامة والنجاعة.
في المقابل، يتيح نموذج الحكامة الحديثة تجاوز هذا القصور من خلال تمكين السكان من فهم واقعهم، المشاركة في تشخيص الإكراهات، وابتكار حلول تتماشى مع خصوصياتهم.
الحكامة الذكية تمكّن هذه المناطق من إنتاج معطياتها الخاصة، وتوظيفها في إعداد خطط تنموية ذات واقعية وشرعية محلية. أما الحكامة الشبكية فتُشجع على بناء تحالفات ترابية تضم الجماعات، الفاعلين الاقتصاديين، الجمعيات، والجامعات، قصد بلورة حلول جماعية وشاملة.
نحو جيل جديد من السياسات الترابية
إن اعتماد هذا النموذج المتقدم من الحكامة لا يُسهم فقط في تحسين جودة القرار العمومي، بل يعزز أيضًا ثقة المواطن في مؤسساته، ويخلق دينامية محلية دائمة، قائمة على التعاون، التمكين، وتحقيق الانسجام بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
ولأن العدالة المجالية لا تتحقق فقط بإعادة توزيع الموارد، بل أيضًا ببناء القدرات وتعزيز استقلالية الفاعلين المحليين، فإن تبني نموذج حكامة ذكية، مرنة، واستباقية، يمثل خطوة ضرورية نحو تنمية متوازنة ومنصفة، تجعل من كل منطقة فاعلاً حقيقيًا في مسار التنمية الوطنية.

