نيويورك/ عبد الكريم مومن
الريع، في جوهره، هو نظام يقتل الحافز ويدمر التنافسية. إنه يمثل حصول فئة معينة على امتيازات اقتصادية دون بذل جهد أو استثمار حقيقي، بل عبر استغلال الثروة العامة أو المزايا التي تمنحها الأنظمة الإنتقائية. هذا النظام لا يُنتج الثروة، بل يعيد توزيعها بطريقة غير عادلة، مما يؤدي إلى خلق بيئة فاسدة ومُحبطة.
لقد كان أصل الريع في بعض الأحيان يهدف إلى دعم من قدموا خدمات للوطن مثل قدماء المحاربين، أو دعم الفئات الهشة أو ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث كانت الامتيازات تُمنح كوسيلة لضمان كرامتهم واندماجهم في المجتمع. لكن مع مرور الوقت، انحرف هذا المفهوم عن مساره النبيل ليصبح جائزة للولاء أو الخدمات المُقدمة للسلطة، أو ببساطة وسيلة للتمييز بين الأفراد. هذا التحول كرّس ثقافة المحسوبية، وقوض مبدأ تكافؤ الفرص، مما أدى إلى تهميش الكفاءات الحقيقية والمواهب الشابة، التي أصبحت لا تثق في المبادرات الإقتصادية التنافسية.
إصلاح الوضع دون التأثير على الدورة الاقتصادية
التحول من اقتصاد الريع إلى اقتصاد تنافسي يُكافئ الكفاءة والابتكار هو خطوة ضرورية، لكنها تتطلب تخطيطًا دقيقًا لتجنب أي تأثير سلبي على الدورة الاقتصادية. يمكن تحقيق ذلك من خلال استراتيجية متعددة ومتدرجة على فترة زمنية مقبولة تبدأ بإخطار المستفيذين بتاريخ إنتهاء صلاحية الإمتياز :
الشفافية في الحكامة: يجب إرساء آليات شفافة وعادلة في منح المشاريع والرخص العمومية، ومحاربة كل أشكال الفساد. يمكن تطبيق نظام المزادات العلنية الإلكترونية لضمان نزاهة العملية، بحيث تُمنح الرخص لأعلى عرض تنافسي، وليس لأكثر الأشخاص نفوذًا، لكن يجب منح فحص الملفات لجهة ثالثة محايدة وغير موجهة.
تحويل الدعم: بدلًا من إلغاء الامتيازات بشكل فوري، يمكن تحويلها تدريجيًا إلى برامج دعم اجتماعي مباشر أو استثمارات في مشاريع بنية تحتية أو تعليمية في المناطق الأقل حظًا. هذا يضمن عدم تضرر الفئات الهشة التي قد تكون مستفيدة من النظام القديم بشكل غير مباشر، ويوجه الأموال نحو خلق قيمة مضافة على المدى الطويل، والهدف دفع هاته الفئات لكي تتعلم من التجربة لتدخل التنافسية تدريجيا، بينما يبقى الإمتياز الريعي فقط لفئات محددة وضيقة للغاية مثل ذوو الإعاقة أو التخلف الذهني.
تأهيل القطاعات المتضررة: في حال كانت بعض القطاعات تعتمد بشكل كبير على الريع، يمكن وضع خطط انتقالية لتأهيلها. على سبيل المثال، يمكن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تنافسها الكيانات الريعية، وتقديم حوافز ضريبية إستثمارية لها، وتسهيل حصولها على التمويل.
التنافسية والعدالة المجالية: وجهان لعملة واحدة
في الأنظمة الإنتقائية، غالبًا ما تكون الفوارق بين المناطق شاسعة. فمعظم الاستثمارات والفرص الاقتصادية تتركز في مناطق محددة وقريبة من السلطة أو النخب، بينما تُهمّش المناطق النائية. هذا التفاوت هو نتيجة مباشرة لغياب سياسات فعالة لتقليص هذه الفجوة.
لتحقيق العدالة المجالية، يجب أن يتكامل مفهوم التنافسية مع سياسات الدعم الموجهة. هذا يعني:
توزيع متوازن للاستثمارات: يجب توجيه الاستثمارات العمومية بشكل أكثر توازنًا بين المناطق، مع التركيز على خلق أقطاب تنموية جديدة قادرة على جذب الاستثمارات الخاصة.
دعم مشاريع الابتكار المحلية: بدلًا من منح الامتيازات بشكل عشوائي، يجب تقديم الدعم للمشاريع التي تُولد حلولًا مبتكرة ومناسبة للواقع المحلي، مما يُمكن السكان من المشاركة في تنمية مناطقهم.
بناء القدرات: توجيه الدعم نحو برامج التكوين المهني والتعليم في المناطق النائية، مما يمنح سكانها الأدوات اللازمة للمنافسة في سوق العمل والمساهمة في الاقتصاد الوطني.
إن الانتقال من نموذج الريع إلى نموذج التنافسية والدعم الموجه نحو العدالة المجالية هو التحدي الأكبر الذي يواجه الأنظمة الإنتقالية. وهو يمثل فرصة لبناء مجتمع أكثر عدالة، واقتصاد أكثر إنتاجية، ومواطنين أكثر ثقة في قدرتهم على بناء مستقبلهم وكذلك رفع الثقة بالتنافسية.

