نيويورك / عبد الكريم مومن
الجزء الاول: التشخيص
كثيرا ما يُلقى اللوم عن تراجع أداء المؤسسات على نقص الكفاءة لدى الموظفين. وهذا الكلام لطالما سمعته من مسؤولين سامين، لكن هذا التبسيط يغفل العوامل الجوهرية التي تقع مسؤوليتها على الإدارة. فالتقارير والدراسات الحديثة تؤكد أن الأزمة الحقيقية ليست في الأفراد، بل في الأنظمة وأساليب القيادة، فعوض أن يعطينا المسؤول خلاصته العبقرية، فلماذا لم يكلف عقله بتحليل أسباب المشكل، والحكمة تقول: معرفة المشكل هي نصف الحل.
هناك العديد من الأسباب التي تغفل غالبا في تحليل المشكلة، وهي ترتبط مباشرة بسوء التسيير وتلقي بظلالها على الأداء العام للمؤسسة:
التهرب من المسؤولية وتضارب الصلاحيات: يتجنب المسؤولون اتخاذ قرارات حاسمة خوفا من عواقبها، مما يؤدي إلى تباطؤ العمل وتراكم المشكلات. هذه الثقافة الإدارية تنتج موظفين خائفين من المبادرة، لأنهم يعلمون أن المسؤولية ستلقى على عاتقهم في حالة الفشل، بينما يتنصل منها المسؤول الأعلى، عنصر الخوف هو طبيعي بالحياة، لكن لا يجب أن يسيطر على جو التسيير بشكل أساسي، بل على الموظف محاولة تفكيك الخوف عبر إزالة العناصر المسببة له وطرح حلول إستراتيجية للخروج من مربع الخوف بشكل آمن وسليم.
نقص الموارد المالية والبشرية: سيستيم D، عفى عنه الزمن، عندما تطلب الإدارة من الموظفين تحقيق أهداف طموحة دون توفير الميزانيات والتجهيزات و الأطقم الإدارية واليد العاملة الكافية، فإنها تضعهم في موقف مستحيل. هذا النقص يفرض ضغطا هائلا ويؤثر سلبا على جودة العمل، حتى لو كان الموظفون يمتلكون الكفاءة المطلوبة، بل قد يؤدي الضغط لإرتكاب أخطاء فادحة ومن الأمثلة بائع السمك في شاحنة القمامة وتبعاته، لذلك أشرنا فيما قبل لمسألة التراجع الإستراتيجي، وهو فن قراءة العواقب ومنح الموظف صلاحية إتخاد قرار دون الخوف من العواقب مقابل تحرير تقرير يوضح سبب التراجع.
المركزية المفرطة في اتخاذ القرارات: احتكار القرارات على المستويات العليا يبطئ سير العمل ويعطل الإبداع. الموظفون في هذه البيئة يشعرون بأنهم مجرد أدوات تنفيذية، مما يقتل روح المبادرة لديهم ويجعلهم غير قادرين على التكيف مع التحديات الفورية، لذلك لا يتخدون خطوات لحل المشاكل ومطالب المواطن أو المرتفق لأنه يخشى من أن يقع بالخطأ والخطأ هنا ليس الخطأ الإداري بقدر ما هو الأهداف الخفية للإدارة، فقد تعطي مواطنا او مرتفقا حقه القانوني ولكن الإدارة أو المؤسسة قد ترغب في نتيجة أخرى، كذلك هناك مشاكل تقع عند طلب شواهد أو رخص أو خدمات لكن نكون أمام إشكالية عدم وضوح النصوص وهنا يقتضي الحال أن يتخد المرؤوس حلا أو يتصل بمن له الصلاحية وهو في كلتا الحالتين متخوف من أي قرار يتخده، وهنا يكون الرفض أو التماطل كمخرج له، بالمقابل وبالدول المتقدمة، الموظف والمستخدم له حماية قانونية في أي قرار يتخده بحسن نية، وإذا وقع خطأ فالإدارة تتدخل لإرجاع الأمور لنصابها ولا تعاقب الموظف بل تبحث عن حل مستقبلي وهكذا يثم حل المشاكل وفي نفس الوقت تطوير الكفاءة والتدريب ولا تحارب الإبتكار في حل المشاكل.
الاستيلاء على النجاح وتحميل المرؤوس المسؤولية:
في كثير من الأحيان، يشتكي المرؤوسون من أن القرارات الناجحة والمشاريع الموفقة ينسبها الرئيس أو المسؤول الأعلى لنفسه ولا يشير لعمل الفريق أو المرؤوس المجتهد، بينما تحمل الأخطاء والكوارث على المرؤوسين. هذا السلوك يخلق بيئة عمل غير عادلة وغير محفزة، حيث يتردد الموظف في تحمل أي مخاطرة إيجابية خوفا من تحمل مسؤولية الفشل وحده، كذلك لا يجتهد ويبتكر الحلول لأنها ستسرق منه، وسبق لي أن أشرت على مسؤولين بأن يرسلوا رسائل شكر وتنويه لمرؤوسيهم على عمل ناجح أو حل مبتكر، لكن كانوا في الغالب يجيبون: هذاك شغلو كايتخلص عليه، إذن فلماذا الدول المتقدمة تنشر شهريا موظف الشهر وموظف السنة وتقيم حفلات آخر السنة لتحفيز وشكر المستخدمين؟ هل مسؤولينا هم المحقون أم أن عقليات الدول المتقدمة هي فقط تبدير للوقت والطاقة؟
وجدت أن السبب هو (عجرفة) مسؤولينا في الغالب وثقافة الحاجز والحاجب بينه وبين مرؤوسيه هي السبب الغالب، وهنا يبتعد الواحد عن الآخر ويكون التواصل شبه منعدم وتضيع الأفكار، فالمسؤول يبقى في برجه والمرؤوس يبحث فقط في أن يعدي اليوم بخير، أي ثقافة الخوف تغلب ثقافة الإحترام والضائع بالمعادلة هو الإدارة السليمة والحكامة.
سوء التوظيف ونقص التخطيط الاستراتيجي: تعيين موظفين في مناصب لا تناسب قدراتهم هو مسؤولية الإدارة. هذا الخطأ الأساسي يؤدي إلى ضعف الأداء. بالإضافة إلى ذلك، غياب التخطيط الواضح يجعل الموظفين يعملون في اتجاهات مختلفة، مما يهدر الجهود ويقلل من الإنتاجية العامة، فلا يمكن فقط ملئ الكرسي، بل عليك ملئ المهمة.
غياب التقييم العادل للموظف عبر التتبع المستمر الإستكشافي للأخطاء والقرارات: عندما لا يتم تقييم الأداء بشكل موضوعي وشفاف، فإن الموظفين يفقدون الحافز للتطور. هذا النقص في التغذية ( التغدية تعني تطعيم ملف الموظف دوريا بالقرارات التي إتخدها وظروفها سواء كانت سلبية أو إيجابية للتتبع وتقييم عمله وتحديد سلوكه حتى يمكن تغليب نيته هل حسنة أم سيئة) يمنعهم من تحديد نقاط ضعفهم ومعالجتها، ويبقي المشكلات قائمة، وقد حدثت معي قصة بالموضوع عندما طلب مني إعداد تقرير سلبي لواقعة معينة وقعت بالفعل حتى يثم عزل موظف ورفضت وهددت بوضع إستقالتي إذا طرد، والسبب الذي دافعت به هو أن هذا الموظف عبر تتبع مساره المهني كان مثاليا وأخطاؤه قليلة جدا بينما نجاحاته في مهامه أكبر بكثير، لذلك فالوقوع بالخطأ مسألة بديهية حسب الظروف مادامت غير مرتبطة بنية إجرامية، والطرد العاطفي المزاجي هو ظلم، لذلك عندما تحمي مرؤوسك بشكل قوي ومدعم فأنت تعطي للفريق دافع وتحفيز للثقة بك كقائد ومع الوقت حتى رؤسائك سوف يثقون بك لأنك تدير الأمور بالعقل والدليل وليس العاطفة والمزاج.
إن التركيز على كفاءة الموظف وتجاهل العوامل الإدارية والهيكلية هو كمعالجة أعراض المرض دون البحث عن سببه الجذري. الحل يبدأ من الإدارة، عبر بناء أنظمة قوية، وتوفير بيئة عمل محفزة، والاستثمار في تطوير الموظفين بشكل مستمر، والفحص الدوري للقرارات، ثم التخصص، لأن الإدارة الناجحة هي التي تخلق الكفاءة.
يتبع…….

