بقلم /الكاتب سعيد ودغيرى حسني
هل أنا فنان
وإن كنت كذلك وأحمل بطاقة مهنية من وزارة الشباب والثقافة والاتصال
فمن أكون
ومن هو الفنان حقاً
هل هو الذي يقف تحت الأضواء أم الذي يحترق خلفها
هل هو من تعرّفه جملة في السيرة الذاتية أم من تشهد له الجدران التي رسم عليها دمه
من هو هذا الكائن الغريب الذي يمرّ بنا فلا ننتبه إلا حين يغيب
ولا نرى أثره إلا حين يختفي
الفنان ليس مهنة
ليس وظيفة تنتهي مع انتهاء العرض أو آخر مشهد أو سقوط الستار
الفنان هو ذلك الذي ينام في قلب العاصفة ويحلم بالسماء
هو الذي يكسر جدار اللغة ليصنع موسيقى
هو الذي يخلط ألوان الألم ليولد منها لوحة لا تُنسى
هو الذي لا يملك إلا صوته وقلبه في وجه العالم
لكنه يجعل العالم يصمت حين يتكلم
الفنان لا يتقاعد
لا يتعب من الحلم
ولا يكبر في السنّ كما نكبر
هو طفل أبدي
يمشي في الشارع وجيبه فارغ
لكن رأسه ممتلئ بكواكب من نور
كيف نعامل الفنان كوزارة
وماذا نقدم له
وكيف نحفظ كرامة الرواد
والطاعنين في السن
لا نريده أن يتسول حقه
ولا أن يُكرَّم وهو بالكاد يتنفس
ولا أن يبتسم في الصور بينما قلبه منطفئ
نريده أن يعيش كريماً كما علّمنا الكرامة
أن يُذكر وهو حيّ كما يُبجل وهو ميت
أن نحفظ له السكن قبل أن يكتب طلباً
والعلاج قبل أن يئن
أن نمنحه الاحترام لا بتصفيق عابر
بل بسياسة تحتضنه لا تُهمله
أن نُصغي إليه لا كضيف عابر في مهرجان
بل كمرآة حقيقية لوجدان الناس
الرواد ليسوا بقايا زمن
بل جذور الزمن
هم من زرعوا الدروب التي نمشي فيها
وما زالوا هناك
ينتظرون يدًا تمتدّ إليهم دون أن تُشعرهم بالشفقة
بل بالعرفان
زبدة القول
الفنان ليس صورة على بوستر قديم
بل صوت خافت يسكن في أعماقنا ويأبى أن يذبل
الفنان لا يعيش بيننا فقط
بل يعيش فينا
في حنين الأم إلى أغنية
وفي دمعة عاشق على مشهد
وفي رعشة لا تفسير لها أمام قصيدة
الفنان لا يملك سلاحاً
لكن بإمكانه أن يوقف حرباً بموال حزين
ولا يحمل علماً
لكن بإمكانه أن يرفع أمة من تحت الرماد
الفنان هو من يمنح للحياة طعماً لا يُشرح
وشكلاً لا يُرسم
وحضوراً لا يُنسى
هو من يسقط كي نقف
ويصمت كي نتكلم
ويختفي كي يبقى
الفنان ليس طيفاً عابراً
بل هو الأصل
وما سواه ظل

