نيويورك- عبد الكريم مومن.
أعطني تعليما جيدا أعطيك ثروة لا تنضب.
التعليم، المهارات، وقوة العقيدة الموجهة والقيادة الرشيدة.
لقد لمسنا جميعا جوهر السؤال الأبدي: لماذا تتحكم القلة المدبرة ( السلطة والقيادة) في الكثرة المهيمنة ( بالعدد أي العامة)؟ يكمن الجواب في التفوق الذهني وقوة التنظيم والتوجيه. لا تكمن نهضة الأمة في القوة المادية، بل في الاستثمار الممنهج في العقل البشري وتحويل طاقته الهائلة إلى محرك للنمو.
1- العقل البشري:
الذاكرة الخارقة ومصدر القيمة
يظل العقل البشري هو المورد الأقوى، حيث يتميز بمرونته الهائلة وقدرته على التعلم الترابطي وتوليد الأفكار المجردة. إنه ليس مجرد جهاز تخزين عملاق، بل هو نظام ديناميكي وكفؤ في استهلاك الطاقة، يمتلك قدرة على تحليل السياقات المعقدة وتوقع المستقبل والتحكم وتوجيه العاطفة والقيام بعمليات ضخمة في آن واحد، متفوقا على أي ذكاء غير بشري في جودة وكفاءة المعالجة. هذا الإدراك والتحليل والابتكار هو مصدر كل الأدوات والأنظمة التي تسمح بالتحكم والتوجيه.
2- من التفوق الذهني إلى السيطرة:
لا أمة بدون وجود عقيدة، ولا إستمرارية للأمة دون الحفاظ على عقيدة وجودها، ولا عقيدة دون وجود قائد.
فأهمية بناء العقيدة أولوية فقبل أن تبدأ القيادة في تنظيم وتوجيه الطاقات، عليها أولا أن تنجح في بناء العقيدة Creed أو الأيديولوجيا Ideology. هذه الخطوة ضرورية للسيطرة والتوحيد والإستمرارية.
سواء كانت هذه العقيدة مرئية وواضحة كأنظمة سياسية أو دينية راسخة، أو باطنية ومضمرة كقيم مجتمعية غير مكتوبة أو ولاءات قبلية/مؤسسية، فإن على القيادة أن تجعل العامة تؤمن بها أولا. فهذا الإيمان الجماعي يوفر:
الشرعية Legitimacy: يبرر سلطة القلة على الكثرة، أي تدفع الأمة لإختيار قائد تدين له بالبيعة وبالولاء والطاعة.
الهدف المشترك: يوحد الجهود نحو اتجاه واحد، مما يلغي الحاجة إلى القوة إلا عند الضرورة القصوى.
الإطار الأخلاقي: يضع حدودا للتصرفات الفردية داخل النظام الجماعي.
هنا تكمن التربية على القيم المشتركة وحب الوطن والتضحية من أجل الأمة، (لذلك بالدول المتقدمة تكون المدرسة أساس تنزيل القيم للواقع، تدرب النشئ على الإحترام للقوانين والأنظمة، المشاركة والتطوع والتضحية من أجل الأمة، وجعل إستمرار الأمة أسمى هدف حتى لو إقتضى الأمر التضحية بكل الموارد المادية لأستمرار الأمة تقدم الأمة دائما وأبدا)، ترسيخ الفكرة في أدمغة وعقول الأطفال من البداية على هاته العقيدة لكي ينقلوها للجيل الوارث.
إن المهارة الأساسية التي تسمح لفئة صغيرة بالتحكم هي الجمع بين المهارات الإدارية المتقدمة والقدرة على صناعة وتمرير العقيدة الموحدة التي ذكرنا وهي المهة الأسمى لقائد الأمة.
3- التعليم والعقيدة: وجهة نظر الفلاسفة
الربط بين التعليم، العقيدة، والسيطرة هو موضوع نقاش عميق في الفلسفة.
يرى الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون في الجمهورية أن التعليم يجب أن يكون موجها لإنشاء الحراس أو الحكام الفلاسفة. هذا النموذج يشير إلى أن التعليم كأيديولوجيا هو الأداة الأساسية لفرز وتدريب طبقة صغيرة تتحكم في مصير الدولة وتحافظ على نظامها ووحدتها وإستمرارها.
لكن في العصر الحديث، تغير مفهوم التعليم ليصير أكثر شعبية، والسبب هو ظهور تحديات كبيرة أمام البشر، فلم يعد أمامنا فقط إنشاء وتربية نخبة تسيطر على النظام بالمجتمع أي الحكماء، بل علينا توفير متطلبات العيش لملايير البشر وتجاوز قلة الموارد عبر تنمية موارد مستدامة غير قابلة للنضوب، مع توفير الأمن والسلم والتغلب على العقول التي تفكر بطريقة الشر، إذن نحن أمام معادلة توفير التعليم والتدريب لعدد كبير من الأدمغة لكن مع تحدي التحكم في العقول التي تنزع للشر والتدمير، وهنا يأتي دور القائد كضامن لوحدة وإستمرارية الأمة والذي يجب تقديم الولاء والطاعة له لكي نساعده على توفير الأمن للجميع. داخل الأمة، وكذلك النخبة ( الدولة العميقة) التي تساعد الحاكم، ولا بأس بوجود طبقة علماء تركز على التنمية وليس التحكم.
وفي العصر الحديث، ناقش فلاسفة مثل الإيطالي أنطونيو غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية. يرى غرامشي أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لا تتم فقط عبر القوة الدولة، بل عبر المؤسسات المدنية (إنتهى كلامه)، والمدرسة هي أهم جزء وأعظمه في كل المؤسسات المدنية بل هي أعظم حتى من المؤسسات التمثيلية (بإستثناء الدولة العميقة أي طبقة الحكماء حراس الأسرار، والتي يجب أن تكون متفوقة تعليما وتدريبا وصبرا لأن هدفها الأساسي التركيز على إستمرارية الأمة مع القائد)، فالمدرسة هي التي تنشر العقيدة وحب الوطن والوحدة. وبعبارة أخرى، يتم ترويض العقول بالإحتواء الإيجابي عبر التعليم لقبول الأفكار والمفاهيم التي تخدم القيادة وتساعدها على تتزيل التنمية بالإعتماد على المورد البشري (كما قلنا فالمورد الأهم للثروة هو إستغلال وتدريب العقول لتوليد الثروة من المادة وليس العكس، فالعقول البشرية تظل أهم وأغلى مورد عند القائد الذي عليه أن يستغلها للنهوض بالأمة والتنمية)
4– المسار نحو النهضة: تحويل الاستغلال إلى استثمار
هنا يكمن الفرق الجوهري: بدلا من استغلال قوة العقل ومهاراته في التعليم والتربية لإنشاء أنظمة سيطرة طبقية، يجب توظيف هذه الأدوات للنهوض بالأمة بأسرها، فلضمان إستمرارية الأمة على القائد تحقيق العدالة في توزيع الثروة التي ينتجها من الأفراد، فالطاقات البشرية الهائلة ( المواطنين) التي تحث تصرف القائد هي طاقة عقلية دماغية و ذكاء بشري دون حدود ولا منتهي، وتوظيفه يعني بناء ثروات مستدامة لا تنضب أبدا ما دام هؤلاء البشر موجودين.
لكن كيف نوظف العقل والعقيدة للنهضة؟
ترسيخ العقيدة بمجتمع معين هدفها الأساسي هو الحفاظ على وحدة الأمة المعنية، وأي تجاوز أو إخلال يشكل خطر كبير ومميت لهاته الأمة، لذلك لا يجب التهاون في الأمر مطلقا، العقيدة تعني الوحدة، والوحدة تعني إستمرارية وجود الأمة وإلا سوف تتفرق وتندثر.
لذلك الأمة تحتاج قائد وتدين له بالولاء المطلق، وحتى محاسبة القائد تثم ضمن الولاء والإستشارة وليس الخروج عن الطاعة، وأي خروج عن الطاعة يهدد وحدة الأمة بشكل خطير لايمكن التكهن بنتائجه، لذلك على الأمة تغليب إستمراريتها وحياتها على كل طموح آخر، ومعالجة كل الإختلالات من داخل الطاعة والولاء.
تعليم المهارات القيادية للجميع: تحويل التعليم ليصبح أداة لتلقين مهارات التفكير النقدي عوض الحفظ التسلسلي، وحل المشكلات المعقدة، والتنظيم والإدارة لأوسع قاعدة ممكنة. هذا يوسع من القاعدة المنتجة في المجتمع بدلا من حصرها، وينظم المشاركة في تنظيم القيادة بالمجتمع بين السلطة الأعلى والسلطات الأدنى.
بناء عقيدة النمو المشترك: يجب أن تتمحور الأيديولوجيا الوطنية حول قيم النزاهة، والشفافية، والإنتاجية، وخدمة الصالح العام. هذه العقيدة يجب أن توجه طاقات الأفراد الذهنية نحو النمو المستدام وحماية النوع البشري والثقافة المحلية لكل أمة من أجل الاستمرارية والحفاظ على التنوع أيضا، أو فن العيش المشترك.
القيادة المؤسسية المتفق عليها: تحتاج الأمة إلى قيادة كفؤة ومتفق عليها سواء كانت فردا أو نظاما مؤسسيا تتمتع بالنزاهة والقدرة على وضع رؤية وطنية واضحة ومشاركة، لضمان أن التفوق الذهني لا يتحول إلى أداة للفساد أو الصراع الداخلي، بل يبقى محركا لمصلحة الأمة جمعاء، لذلك على القائد أن يتدخل فورا لإرجاع المؤسسة التي تعمل كمساعدة بالتسيير إلى طريق الرشد وتحديد خارطة طريق، وإذا لم تكن في مستوى التطلعات تغييرها لضمان الوحدة وسلامة الأمة.
من هنا نأتي لملخص القصة، إن نهضة الأمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج عقول مدربة تعمل تحت مظلة عقيدة وطنية موحدة وأخلاقية، هاته الثروة إن ثم تدريبها وإستغلالها فهي التي سوف تنتج كل شيء ينمي المجتمع، تعطيك الطبيب والمهندس والمسير ورجل العلم والقانون، والتعليم المرتبط بالتربية هو من يعطيك الشخص المناسب، فقد تدرب كل الإطارات المذكورة لكن بدون تربية على القيم سوف يكونون عنصر هدم لا بناء، التربية على القيم تعني خدمة الأمة بشرف وأخلاق ونزاهة ودون تقديم مصلحة خاصة وإغتناء وفساد، أعطني تعليما وتربية صالحة أعطيك ثروة بلا حدود….

