نيويورك/ عبد الكريم مومن
بفلسفة عميقة تستلهم من انهيار جدار برلين، يرى المفكرون أن التفاهم ليس بالضرورة وليد اتفاق إيديولوجي، بل هو نتيجة لتقبل الاختلاف والانفتاح على الآخر، وهي عملية تبدأ بهدم الجدار الداخلي لكل فرد. هذا المفهوم يكتسب أهمية قصوى عند مناقشة الفجوة بين الأجيال داخل المجتمع الواحد، حيث لا يقتصر الصراع على القيم بل يتجاوزه إلى أسلوب التفكير ووسائل التعبير. ويطرح السؤال الأهم: كيف يمكن لأمة أن تحقق سلمها الاجتماعي وتماسكها إذا كانت تستهلك أفكارها بدلا من إنتاجها؟
القسم الأول: الفجوة الجيلية.
صراع الأسلوب وطريق الإنصات،
يؤكد علماء الاجتماع والنفس أن الفجوة بين الأجيال هي ظاهرة طبيعية وحتمية ناتجة عن تباين الظروف والخبرات التاريخية (نظرية كارل مانهايم حول الوعي الجيلي). لكن التحدي يكمن في تحويل هذه الفجوة من صراع إلى تكامل.
آراء الخبراء:
علماء الاجتماع والأنماط السلوكية:
يشير الخبراء إلى أن الأجيال تتميز بسلوكيات وتوجهات واهتمامات مختلفة كثيرا. ويرى الكثيرون أن التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتسارعة هي ما تعمق هذه الفجوة. الجيل الأكبر يلتزم بالهيكلة الصارمة ( مقاومة التغيير، الحفاظ على الإمتيازات) ، بينما الجيل الأصغر يفضل المرونة والتفاعل التكنولوجي ( إقتناص الفرص ورفض التوصيات من فوق)، مما يخلق صداما في بيئة العمل والأسرة.
علماء النفس وتفكك التواصل:
يشدد المتخصصون في الصحة النفسية على أن الفجوة تتفاقم بسبب غياب الحوار الحقيقي. ففي كثير من الأحيان، يصبح التواصل بين الآباء والأبناء مقتصرا على التأنيب والأوامر، أو يتم استبداله بـوسائل التواصل الافتراضي، حتى داخل البيت الواحد. هذا التفكك يجعل الآباء لا يفهمون احتياجات أبنائهم، ويؤدي إلى طريق مسدود مليء بالتوتر، كذلك داخل المجتمع بقمع أي صوت جديد يخالف التقليدي سراء بالقوة أو التحقير أو حتى ربطه بالإستيلاب الخارجي.
هدم الجدار بالنية الفكرية:
الخلاصة المستخلصة من التحليل العميق لظاهرة الصراع هي أن العلاج يبدأ من النية، ( النية هي شعور كل طرف بأنه ينطلق من الحرص على حب الآخر والتشديد على أنه يريد علاقة يسودها الإحترام المتبادل لا إقصاء أو إحتواء كامل للآخر). عندما يقرر كل جيل الإنصات بصدق للآخر، يبدأ الجدار في التهدم. هذا الإنصات المتعاطف هو التزام فكري بتحويل النزاع من محاولة إثبات من هو على حق إلى محاولة فهم من أين يأتي الآخر، مما يعزز التضامن بين أعضاء المجتمع ويحافظ على تماسك الأسرة والوطن، ( ويجب على القائمين على الوضع فهم أن الحوار هو ملأ الفراغ، وإذا لم يقوموا بذلك بأنفسهم سوف يقوم الغير أي العنصر الخارجي بالإستيلاب).
القسم الثاني: العقيدة الوطنية. الطريق من التبعية إلى الإلهام
الجزء الثاني من المعادلة الاجتماعية يتعلق بالشبث بالعقيدة الفكرية الوطنية وجعلها قوية كشرط لتحقيق السيادة الفكرية والتحول من أمة تابعة إلى أمة ملهمة.
العقيدة كبنية فكرية لا كإيديولوجيا جامدة:
العقيدة هنا تعرف بأنها الإطار المعرفي والقيمي المشترك الذي ينظم العلاقة بين أفراد الأمة ويحدد سلوكياتهم المقبولة والمستنكرة.
السيادة والإنتاج الفكري: إن استيراد المذاهب والأفكار الجاهزة من الخارج دون نقد أو تكييف مع الخصوصية الوطنية يؤدي إلى حالة من الولاء الفكري لأمم أخرى سواء نابع من الشرق ( تاريخي) أو من الغرب ( حداثي فرانكفوني) أو حتى من العالم المعاصر ( الثورة التكنولوجية والرقمية). هذا الاستيراد يرسخ عجزا فكريا ويحوله من حالة مادية إلى قناعة فكرية مستكنة بأننا غير قادرين على الإنتاج، وهذا لا يعني القطع مع الآخرين وإنما تكييف منتوجاتهم الفكرية لتلائم ثقافتنا وعاداتنا الخاصة حتى لا نغرق شاطئنا في محيط الآخرين ونصبح بلا هوية.
التماسك والتوجيه: توفر العقيدة الوطنية إطارا أخلاقيا موحدا يعزز الانتماء للدولة ويحفز الأفراد على العمل الجاد لتحقيق الأهداف الجماعية. الدولة التي تعتمد على عقيدة مشتركة يمكنها التغلب على التحديات الداخلية مثل الصراعات الفئوية والعرقية، وتكون أقدر على مواجهة التحديات الخارجية بثقة، لأنها بصراحة رغم إختلافاتها فهي تتكلم بلغة واحدة يفهمها ويتفق عليها الجميع، ويطلق عليها الإصلاح من الداخل.
التحول إلى أمة ملهمة:
الأمة الملهمة هي التي تنتج أفكارها وتكيفها وفقا لظروفها التاريخية والثقافية، بدلا من أن تكون رهينة وهم الكفاية المستوردة. عندما يتبنى جيل الشباب مفاهيم تنبع من أصالته، فإنه يتسم بـقوة الشخصية والوعي الحضاري، مما يضمن صياغة بنية فكرية متكاملة تستوعب تعقيدات الواقع وتوجه الفعل نحو البناء والإنجاز.
إن السلام الاجتماعي المنشود يبدأ بحوار هادئ ودائم بين الأجيال يعترف بشرعية الاختلاف (هدم الجدار الداخلي)، ويتجسد في بناء عقيدة فكرية ذاتية لا تنكر الانفتاح على العالم، لكنها ترفض الاستلاب والتبعية، مؤكدة بذلك أن النهوض يبدأ من الداخل بالجمع بين مرونة الأسلوب المنفتح وصلابة الفكر الأصيل، وهكذا تنقل جينات المجتمع بسلاسة للجيل المقبل الذي سيتولى تدبير الأمور في المستقبل لكن داخل نفس الهوية

