مشروع دعم الزواج المبكر والاستقرار الأسري في المغرب
نيويورك : عبد الكريم مومن
خرج التقرير الذي أعدته المندوبية السامية للتخطيط بإنذار حول تراجع الولادات وإحتمالية نقص الساكنة خلال العقود المقبلة، صحيح فيما قبل كنا نرفع شعار ضبط النسل حتى تتناسب مع الإمكانيات المتاحة والموارد، لكن اليوم إنقلب الأمر، فخلق الثروة ينطلق من الإنسان وليس الحجر، لذا علينا إعادة النظر في منظومة كاملة حتى نتفادى الكارثة، هل فعل نحن مقبولون على كارثة أم أن الأمر مبالغ فيه؟
للجواب على هذا السؤال نراجع النظريات السابقة، فالأجيال الحالية سوف تسلم المشعل لأجيال المستقبل عند التقاعد، وبعد تقاعدها فالمطلوب من الأجيال المستقبلية أن تعمل وتجد لترجع جزءا من عملها للأجيال التي سبقت أو ما يمكن تسميته بالدين المترتب على الأجيال.
يهدف هذا المشروع إلى بناء نموذج اجتماعي متكامل يعزز الاستقرار الأسري ويشجع الزواج في سن مبكرة بشكل مدروس، من خلال الجمع بين التأطير الاجتماعي والدعم الاقتصادي. يرتكز المشروع على رؤية تتمثل في بناء أسر مستقرة ومنتجة منذ المراحل الأولى للحياة الزوجية، وعلى هدف أساسي هو تمكين الشباب من خوض تجربة الزواج في ظروف واقعية ومستدامة، مع توفير المواكبة اللازمة لتفادي عوامل الفشل المبكر.
ينطلق المشروع من ملاحظة تراجع الخصوبة وارتفاع سن الزواج، إضافة إلى تأثير المقارنات الاجتماعية وضعف التأطير الأسري، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسرة واستمراريتها. لذلك يقترح المشروع معالجة هذه التحديات عبر تدخل متكامل يبدأ قبل الزواج ويستمر خلال السنوات الأولى منه.
في هذا الإطار، يعتمد المشروع على محور أساسي يتمثل في توفير سكن اقتصادي للأزواج الشباب مقابل الالتزام بحضور برامج التكوين (Affordable Housing – Training Conditional)، حيث يساهم هذا الإجراء في تخفيف العبء المالي الأولي وربط الدعم بالمسؤولية والتأهيل. كما يتضمن المشروع برنامجا للتأطير قبل الزواج (Pre-Marital Training) يهدف إلى تزويد الشباب بمهارات أساسية تشمل تدبير الميزانية (Budget Management)، التواصل الفعال، وفهم الواقع الاقتصادي والاجتماعي للحياة الزوجية، والهدف هو رفع التخوفات التي تسبق تكوين أسرة، وهي تخوفات يمكن تفهم دواعيها، فليس فقط الظروف الإقتصادية هي السبب لأن دول الغرب رغم الدعم والثروة تعاني من الحالة بشكل أسوء، والسبب هنا راجع للفردانية والتهرب من المسؤولية في تربية الأطفال، لذلك يجب التفكير في أسلوب يضمن التوازن بين توفير سبل العيش الكريم في الحد الأدنى، وكذلك إعادة نمط التفكير الإجتماعي الذي كان سائدا قبل.
ولا يتوقف الدعم عند مرحلة ما قبل الزواج، بل يمتد إلى المواكبة بعد الزواج (Family Coaching)، حيث يتم تعيين مؤطرين اجتماعيين لمرافقة الأزواج خلال السنوات الأولى، وتقديم دعم نفسي وعملي يساعدهم على تجاوز التحديات اليومية. ويواكب ذلك تشجيع الإنتاج داخل الأسرة (Home-Based Production) عبر تحفيز المشاريع المنزلية الصغيرة، إلى جانب نشر ثقافة التخزين الأسري الذكي (Smart Household Stocking) بهدف تقليل المصاريف وتعزيز الاستقلال المالي.
كما يولي المشروع أهمية خاصة لبناء وعي اجتماعي سليم من خلال محاربة المقارنة الاجتماعية (Anti-Social Comparison)، فنحن نعيش زمن توفر المعلومات بشكل مفرط، وهنا تبدأ الزوجة في مقارنة نفسها بزوجات أخريات في وضع مريح ومثرف وبالتالي تطرح أسئلة حل قدرة زوجها في توفير ظروف مماثلة أم أنه فاشل وبالتالي تقود المقارنات للتوثر داخل العائلة ثم إنفصام العقد، هاته الحواجز والمعيقات النفسية تعتبر من أبرز أسباب التوتر داخل الأسر الحديثة، خاصة في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. وفي نفس السياق، يعمل المشروع على مكافحة التنمر الأسري (Anti-Domestic Bullying) عبر التوعية ووضع آليات للوساطة والدعم النفسي، مع إمكانية إدماج مقاربات تنظيمية وقانونية داعمة.
ولتشجيع الانخراط الفعلي في هذا البرنامج، يقترح المشروع تقديم تحفيزات مالية مشروطة (Conditional Incentives)، تمنح للأزواج الملتزمين بحضور التكوينات والانخراط في برامج التأطير، مما يخلق توازنا بين الدعم والمسؤولية. ويتم تنفيذ هذا المشروع عبر شراكات مؤسساتية (Institutional Partnerships) تجمع بين الجهات الحكومية، جمعيات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، بما يضمن تعبئة الموارد وتكامل الأدوار.
ويعتمد المشروع على نظام دقيق للتتبع والتقييم (Monitoring & Evaluation) من خلال مؤشرات واضحة مثل نسبة الزواج، نسبة الطلاق، ومستوى استقرار الدخل لدى الأسر المستفيدة، وذلك لضمان فعالية التدخل وإمكانية تطويره بشكل مستمر.
ومن المحتمل أن يساهم هذا المشروع في تحقيق أثر إيجابي متعدد الأبعاد، يشمل تعزيز الاستقرار الأسري (Family Stability)، دعم الخصوبة (Fertility Support)، وتقوية الإدماج الاقتصادي للأسر (Economic Empowerment)، إضافة إلى تحسين التماسك الاجتماعي بشكل عام.
ويختزل المشروع رؤيته في جملة مفتاحية جامعة: بداية بسيطة لإستقرار دائم (Simple Start – Lasting Stability)، وهي فلسفة تقوم على تمكين الشباب من الانطلاق بإمكانيات متواضعة لكن برؤية واضحة ومرافقة ذكية تضمن لهم الاستمرارية والنجاح، هنا أيضا يتداخل دور المجتمع ككل وحتى مؤسسات التربية والتعليم والدعم الإجتماعي والصحة وغيرها.

