كتب: احمد اكلكيم
في وقت مازالت وثيرة توقف ماكينات الطباعة في دور نشر عربية عن العمل في تزايد، و كذلك اغلاق المكتبات الكبيرة والصغيرة لأبوابها بعد سنوات من الصمود، ما زال الساؤل الوجودي يطرح نفسه بإلحاح: ما الجدوى من إقامة معارض الكتاب في عالم عربي يُعاد فيه رسم مشهد القراءة والنشر بالكامل؟
هذه التساؤلات تكتسب مشروعيتها من واقع متغير تتراجع فيه مؤشرات القراءة الورقية، وتُزاحم الكتب الرقمية نظيراتها المطبوعة على الرفوف الذهنية للقارئ، فيما تنشط المنصات الإلكترونية لتقدم الكتب على مدار الساعة وبنقرة واحدة، متجاوزة الحواجز الجغرافية والزمنية والاقتصادية.
لكن رغم هذا الواقع، ما تزال معارض الكتاب تُنظّم في العديد من العواصم والمدن العربية، وتُستقبل بحفاوة من جمهور واسع ومتنوّع. فهل تعني هذه الظاهرة أن المعرض لا يزال يحتفظ بشرعيته، أم أن الأمر لا يعدو كونه طقساً احتفالياً أكثر منه فعلاً ثقافياً مؤثراً؟
ان ما نشهده اليوم هو أكثر من مجرد تراجع في مبيعات الكتب أو إغلاق مكتبات. إنها أزمة مركّبة تطال بنية صناعة النشر برمّتها، من الكاتب إلى القارئ، مروراً بالناشر والموزّع. فالطباعة أصبحت مكلفة على نحو غير مسبوق، والورق سلعة نادرة، بينما تراجعت قدرة الناس على الشراء بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية في العديد من الدول العربية. أضف إلى ذلك تغير أنماط الاستهلاك الثقافي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الكتب الصوتية والرقمية أكثر جذباً لجيل شاب يعيش على إيقاع السرعة والتنقل.
لكن، ورغم هذا التراجع، ما زالت معارض الكتاب العربية ، من القاهرة إلى الرباط ومن الرياض إلى بيروت و من الشلرقة الى الدوحة ، تحافظ على حضورها الجماهيري، وإن بدرجات متفاوتة.
هذا الحضور لا يُفسَّر فقط بالرغبة في اقتناء الكتب، بل أيضاً بالدور الرمزي والاجتماعي والثقافي الذي تلعبه المعارض. فهي فضاء للقاء المباشر بين المؤلفين والقراء، ومنصة للنقاش الفكري، وساحة لعرض الجديد في النشر، ومتنفس للتفاعل الثقافي في زمن تغلب فيه الفردانية والافتراضية.
و رغم انه لا يمكن إنكار أن الرقمنة غيّرت وجه العلاقة بين القارئ والكتاب، لكنها لم تُلغِ بالضرورة الحاجة إلى المعارض. فالمعارض يمكن أن تتطوّر، لا أن تنقرض. يمكنها أن تتحول إلى فضاءات هجينة، تجمع بين الورقي والرقمي، وتستضيف جلسات نقاش حية وأخرى تُبث عبر الإنترنت، وتتيح إمكانية الشراء الإلكتروني من داخل المعرض، أو خارجه عبر شراكات مع منصات رقمية.
ربما لم يتوقف القارئ العربي عن حبّ الكتب، لكنه غيّر طريقته في الوصول إليها. لم يعد يكتفي بالذهاب إلى المكتبة أو المعرض، بل يتوقع أن يصله الكتاب عبر البريد أو الهاتف الذكي. هنا تبرز إشكالية أخرى: هل تواكب معارض الكتاب هذا التحوّل؟ وهل طوّرت استراتيجيات رقمية موازية تضمن بقاءها ضمن الخريطة الثقافية الجديدة؟
خلاصة ، القول بموت معرض الكتاب فيه مبالغة، والتمسك بنموذجه القديم فيه جمود. المطلوب اليوم ليس التخلّي عن المعارض، بل إعادة التفكير فيها كمنصّات ثقافية متعددة الوسائط، قادرة على التكيّف مع تحوّلات العصر، وعلى اجتذاب قارئ جديد من دون خسارة القارئ التقليدي.
إن الحفاظ على معرض الكتاب لا يعني الإصرار على الورق فحسب، بل الدفاع عن فكرة الثقافة كحق جماعي وفضاء مشترك. وهذا ما يجعل من هذه المعارض ضرورة لا يمكن التنازل عنها، حتى في زمن تراجع الطباعة، لأن الثقافة، ببساطة، لا تُقاس فقط بعدد الكتب المطبوعة، بل بقدرتها على الاستمرار والتجدد في أي شكل كانت

