نيويورك/ عبد الكريم مومن
لطالما واجه العالم معضلة وجودية: هل التعليم العالي خدمة اجتماعية تستهلك الثروة، أم محرك اقتصادي ينتجها؟ هذا التقرير يحاول المساهمة في إذكاء مناقشة فك النماذج العالمية ويقيسها على الواقع المغربي، مستشرفا دور التعليم في قيادة قطاعات المستقبل وتحقيق التوازن المجالي والريادة الدولية.
أولا: فلسفة التمويل والعائد الاقتصادي.. هل التعليم مستهلك أم منتج؟
تتوزع الرؤى العالمية بين ثلاث مدارس كبرى، لكل منها منطقها الخاص في إدارة الموارد:
تتبنى المدرسة الاجتماعية (ألمانيا، النرويج) فلسفة أن التعليم بنية عامة تحثية-أفقية وحق سيادي تضمنه الدولة عبر الضرائب، مما يحقق حراكا اجتماعيا واسعا، لكنها تواجه تحدي الضغط الهائل على الميزانية وخطر إنتاج تخصصات غير نافعة. في المقابل، تنهج المدرسة الاستثمارية (أمريكا، بريطانيا) منطق الأصل الرأسمالي، حيث يعتبر التعليم مسؤولية فردية واستثمارا شخصيا، وهو ما يضمن جودة تنافسية، لكنه يثقل كاهل الخريجين بالديون. أما النموذج التوافقي (أستراليا، سنغافورة وكذلك المغرب إلى حد ما في بعض القطاعات مثل الطب والإدارة…) فيوازن بين ضمان الدولة للولوج والتزام الفرد بالمساهمة لاحقا بناء على نجاحه المهني، مما يضمن الاستدامة المالية والعدالة التوزيعية.
المفارقة الكبرى: يظهر الفرق بين التعليم كمستفيد من الرخاء والتعليم كرافعة له. في الدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية فقط (مثل بعض دول النفط)، قد يتحول التعليم إلى قطاع مستهلك للثروة ينتج شهادات بلا مهارات حقيقية، هدفها الحقيقي هو الوصول لمنصب رفيع أوسيادي لكن دود قيمة مضافة، مما يهدد النظام بالانهيار عند نضوب المورد. أما في الدول التي جعلت التعليم محركا (مثل سنغافورة)، فقد كان الاستثمار في العقل البشري هو الذي خلق الثروة من العدم بتسهيل وصول الشخص المناسب الصالح المنتج للمنصب، محولا الدولة من ندرة الموارد إلى ريادة الاقتصاد العالمي.
ثانيا: الواقع المغربي.. نحو مجانية منتجة وسيادة وطنية
في المغرب، نعيش مرحلة انتقالية تتطلب إعادة تعريف وظيفة الجامعة. التعليم العمومي الذي نجح تاريخيا في إنتاج نخب الدولة، يواجه اليوم تحدي النجاعة:
من الاستهلاك إلى الإنتاج:لا يمكن للمجانية أن تبقى شيكا على بياض. الحل يكمن في تحويلها إلى مجانية موجهة تدعم التخصصات الاستراتيجية وتفرض إلتزاما مهنيا يضمن عدم هدر المال العام وتحويل التعليم إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.
السيادة والابتكار: يجب أن ينتقل التمويل نحو مربعات القوة التي تضمن استقلالية الدولة، مع التركيز على المبتكر الذي يتحمل مسؤولية ابتكاره، بينما يضمن له المجتمع التمويل والبيئة الحاضنة.
ثالثا: قطاعات العصر.. محركات الثروة والاستدامة
لحماية التعليم من الانهيار، يجب توجيه الاستثمار التعليمي نحو المجالات التي تضمن استدامة الأمة في إطار بيئي واقتصادي صارم ( هنا نحتاج تعليم عالي مركز ومتخصص وكذلك سهل الإستيعاب).
- الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية: الانتقال من الاستهلاك الرقمي إلى إنتاج حلول ذكية لتدبير الندرة المائية، وتحسين اللوجستيك، والأمن السيبراني. هذه صناعة عقلية نظيفة تضمن الريادة التكنولوجية وتدر قيمة مضافة عالية، ولها تنافسية قوية للتصدير.
- الكيمياء المتطورة والخضراء: استغلال أقصى وأمثل للثروات الطبيعية (كالفوسفاط وباقي المعادن) عبر ابتكار منتجات كيميائية صديقة للبيئة، مما يحول المورد الطبيعي من مادة خام إلى قيمة صناعية مضاعفة.
- ي (تظل هاته النقطة أكبر حاجز للسيادة وتقليل الإعتماد على الخارج والظروف المتحكمة فيه): تكوين أطر تقنية تقود مشاريع الطاقة الشمسية والريحية وتكنولوجيا الهيدروجين، مما يضمن استقلالية الدولة طاقيا ويخلق اقتصادا منخفض الكربون (لأن التبادل التجاري المستقبلي يرهن حرية التجارة بالتوافق مع حماية البيئة).
- التواصل و تسويق البلد: بناء قوة ناعمة تفاوضية عبر نخب قادرة على تسويق الهوية والفرص الوطنية عالميا ولديها تكوين عال مركز يدافع عن مصلحة الوطن بشكل ذكي ومقنع، مما يرفع الجاذبية الاستثمارية والسياحية للأمة.
رابعا: التنمية المجالية.. الجامعة كقلب نابض للجهات،
لا تتحقق استدامة الدولة دون عدالة مجالية تعليمية، فالجامعة يجب أن تكون قاطرة لتنمية الأقاليم.
- التخصص المجالي: ربط التخصصات الأكاديمية بالموارد الطبيعية والاقتصادية لكل جهة جغرافية، مما يخلق أقطاب نمو محلية تضمن توزيع الثروة والفرص.
- تثبيت الساكنة والحد من الهجرة: توفير تعليم عالي الجودة مرتبط بسوق شغل جهوي يضمن استقرار الكفاءات في مناطقها الأصلية ويسهم في عمران الأقاليم.
- العدالة في الوصول: ضمان التمويل للطالب في مجاله الجغرافي، مع إلزامه بالمسؤولية تجاه تنمية ذلك المجال اقتصاديا واجتماعيا.
خامسا: خارطة طريق الاستدامة (التكافل بين القطاعات)
لحماية هذا النظام من الانهيار، يجب تفعيل المثلث الذهبي:
القطاع العام: يضع الرؤية ويحمي المعوز المبدع، ويضمن توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية.
القطاع الخاص: يشارك في التمويل مقابل الحصول على حلول مبتكرة لمشكلاته التقنية وكفاءات جاهزة للسوق.
المجتمع المدني: يضمن استمرارية التعليم كفعل ثقافي وقيمي يحمي الأمة من التحلل المعرفي عبر الأوقاف والمنح المجتمعية.
من هنا نصل إلى خلاصة ( مبدئية يعرفها الجميع) وهي أن النجاح الاقتصادي للأمم لم يعد مرتبطا بوفرة الموارد الخام، بل بمدى كثافة المعرفة في استغلالها. المغرب يمتلك الموارد، والتعليم هو المحرك الذي سيحولها إلى ثروة مستدامة. المستقبل يكمن في الاستثمار المسؤول: التمويل مضمون للملتزمين، والهدف هو إنتاج القيمة لخدمة الدولة و(الأمة) والجهات.
حاليا، هناك توجه حاول خلق جامعات خاصة مؤدى عن خدماتها لقاء تعليم ذو قيمة أعلى، لكن هل يستطيع كل طالب الولوج لهذا التعليم الخاص؟ وهل هناك مجال للحصول على قروض لتمويل ذلك التعليم يقبل جميع الفئات؟ ثم كيفية الإسترداد والإعفاء لقاء تقديم خدمة بعد التخرج؟ كلها أسئلة ليس لدي جوابها لكنها تفتح باب النقاش للمصلحة حتى لا نحرم نابغة من تعليم عالي المستوى

