بقلم سعيد ودغيري حسني
على لسان العمر أكتب لكم حصيلة تأملاتي. أكتبها كما يكتب النهر حكايته على صخور الزمن. أكتبها كما يوشوش الغيم للحقول قبل أن يذوب مطراً. تعلّمت أن البريق ليس دائماً وعداً. وأن كل ما يلمع في الأفق قد يكون شهاباً يحترق لا نجمة تهدي الطريق
رأيت الناس في الأسواق كأنهم يتبعون سراباً من زجاج. يحملون هواتف تضيء وجوههم بضوء بارد يشبه ضوء النيون في الأزقة. لكنني حين أعود إلى مرآتي أرى الحقيقة عارية. الهاتف طفل يولد شيخاً. يشيخ منذ لحظة اقتنائه. يتهاوى بعد عام أو عامين كزهرة اصطناعية تفقد ألوانها في ركن مظلم. في النهاية لا يبقى إلا فراغ بين الأصابع وندم بين الضلوع
أما البقرة تلك المخلوقة الوديعة فهي مثل قصيدة طبيعية تُكتب بالحليب والعشب والنسل. ليست لها شاشات مضيئة ولا ألوان براقة. لكنها تمنحك حياة صافية كل صباح. ترعاها فتحيك لك ثوب الاكتفاء. تطعمها فتطعمك. تنتظر بصبرها فتمنحك من صبرها ثمراً. وبعد عامين يتحول حضورها إلى قطيع صغير. إلى غابة من النفع. إلى رصيد ينمو مثل شجرة زيتون تغرس جذورها في الأرض وتُثمر جيلاً بعد جيل. هذا هو الذهب الحقيقي. الذهب الذي لا يذوب في جيبك بل يترسخ في حياتك
أدركت أن المفارقة شاسعة بين بريق اللحظة واستمرار العطاء. الهاتف يشبه البرق يخطف البصر ثم يترك السماء أكثر عتمة. أما البقرة فمثل الشمس تشرق كل يوم في هدوء ولا تملّ من منح الضوء والدفء. الهاتف يُسقطك في دورة استهلاك لا تنتهي. أما البقرة فتذكرك أن الاستقرار ليس في الرفاهية الزائفة بل في الثبات على أرض صلبة
وحين تأملت أعمق رأيت أن الإنسان نفسه قد يكون هاتفاً أو بقرة. قد يعيش كالبرق يلمع لحظة ثم يتلاشى في العدم. وقد يعيش كشجرة مثمرة لا يلمع لكنه يظل يمنح خيره حتى بعد أن يرحل. الناس لا تحفظ أسماء الذين استعرضوا بريقاً فارغاً. بل تحفظ أسماء الذين زرعوا في حياتها نفعاً دائماً. فالزينة تُذرى مع الرياح. أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
لهذا أقول لا تنخدعوا بما يخطف أبصاركم. اغرسوا وقتكم في ما يبقى. ضعوا أموالكم في ما ينمو. لا تقيسوا الغنى بعدد ما تملكون من آلات لامعة. بل بعدد ما حصدتم من ثمار صبرتم عليها. الحياة ليست مسرحاً لعرض المظاهر بل رحلة لاكتشاف المعنى. والمعنى الحقيقي يبدأ بسؤال صادق. هل ما تملكه الآن يستهلكك أم يثمر لك
علّمتني التجربة أن الذهب ليس ما يبرق في السوق بل ما يضيء في حياتك طويلاً. أن بقرة واحدة قد تبني لك عالماً من العطاء. بينما هاتف واحد قد يسرق منك مالك ثم يتركك مع شاشة مكسورة وذاكرة فارغة. اختر أي الطريقين تريد. فالمستقبل يُصنع من قرارات صغيرة تتراكم مثل قطرات مطر تصنع نهراً
وما كل ما يلمع ذهبا

