دبي : سعيد ودغيري حسني
حب الكتابة قدر لا يختاره الإنسان بل يختاره هو بنفسه الكتابة ليست مجرد حروف تُخط على الورق بل هي حياة كاملة تنبض بين الأسطر هي ذلك الصوت الذي لا يخفت مهما علا الضجيج هي ذلك النبض الذي لا يتوقف مهما تغيرت الفصول من يكتب لا يبحث عن مجد زائل أو تصفيق عابر بل يسير وراء شغف لا يعرف التوقف من يكتب لا يخاف الوحدة لأنه يجد في الحروف رفقة لا تخونه ولا تغدر من يكتب لا يموت لأن كلماته تبقى حتى حين يغيب جسده
الكتابة نافذة تطل على العوالم الخفية التي لا تُرى بالعين المجردة هي مرآة تعكس دواخلنا بكل ما فيها من تناقضات وانفعالات هي جسر يمتد بين الكاتب والقارئ دون الحاجة إلى لقاء أو حديث مباشر كل حرف ينبض بالحياة كأنما خُلق ليحمل معنى لا يضيع كل كلمة تفتح بابًا نحو عالم جديد مليء بالأفكار والمشاعر والأحلام
الكتابة ليست مجرد فن بل هي ضرورة كما يحتاج الإنسان إلى الهواء والماء يحتاج إلى الكلمات ليعيش يكتب حين يفرح ليشارك فرحته مع العالم يكتب حين يحزن ليخفف عن قلبه عبء الألم يكتب حين يحتار ليجد إجابة بين الحروف يكتب حين يخاف ليواجه مخاوفه دون أن ينهزم الكتابة درع يحمي الكاتب من الضياع وسلاح يواجه به الزمن الذي يمضي دون أن ينتظر أحدًا
من يكتب لا يعيش حياة واحدة بل يعيش ألف حياة يسافر عبر الزمن دون أن يغادر مكانه يدخل إلى عقول الآخرين ويكتشف أسرارهم دون أن يطرق أبوابهم يعبر القارات دون جواز سفر يتحدث بكل اللغات حتى لو لم يتعلمها يومًا يرى ما لا يراه غيره ويسمع ما لا يصل إلى آذان الآخرين الكتابة سحر لا يُقاوَم وكنز لا يُقدَّر بثمن
كل حرف هو لبنة في بناء الذاكرة الإنسانية كل نص هو شاهد على لحظة من لحظات التاريخ كل كتاب هو مصباح ينير عتمة الجهل من يكتب لا يخشى النسيان لأن كلماته تظل حية حتى لو غاب صوته الحروف هي امتداد للروح حين يعجز الجسد عن التعبير الكلمات هي الدموع التي لا تُرى والأحلام التي لا تموت
الكتابة ليست ترفًا ولا هواية عابرة بل هي حياة كاملة داخل الحياة هي الحقيقة التي لا تُزيف والمشاعر التي لا تُخدع هي الصديق الذي لا يخون والحبيب الذي لا يرحل هي النداء الذي لا يخفت والصدى الذي لا يزول هي الخلود الذي يسعى إليه الجميع دون أن يدركوا أن الكلمة وحدها هي التي تبقى
لا يمكننا أن نتحدث عن الكتابة دون أن نذكر أولئك الذين جعلوا منها حياتهم أولئك الذين خاضوا معركتهم اليومية بالحروف حتى آخر لحظة من حياتهم على رأس هؤلاء يأتي فيودور دوستويفسكي الكاتب الروسي الذي كرّس نفسه للأدب رغم المعاناة والفقر لم يكن المال يشغله بل كان همّه الأكبر هو أن يخلد كلماته في صفحات التاريخ كتب حتى آخر أيامه حتى حين كان يعاني من مرضه وتدهور حالته الصحية نفس الشيء يمكن أن يقال عن فرنسوا مورياك الروائي الفرنسي الذي عاش حياة مليئة بالتحديات ولكن الكتابة كانت لسانه الذي يعبر به عن أفراحه وأحزانه
أما أرنست همنغواي فقد شهدت حياته العديد من التقلبات ولكنه لم يتوقف عن الكتابة حتى بعد معاناته الشديدة من الاكتئاب والتحديات النفسية الكتابة كانت نافذته الوحيدة إلى عالمه الداخلي وإلى فهم نفسه والعالم من حوله في النهاية كتب همنغواي روايته “وداعًا للسلاح” وهو في أوج معاناته ليُثبت أن الكتابة هي أعظم أشكال المقاومة
وهناك أيضًا فرجينيا وولف الكاتبة البريطانية التي أضحت رمزًا للكتابة المبدعة والناضجة حتى في أحلك أيامها حيث كان الاكتئاب يسيطر على حياتها واصلت الكتابة بحزم لا يلين وخلدت بذلك اسمها في عالم الأدب كانت الكتابة بالنسبة لها شكلاً من أشكال النجاة ووسيلة لإظهار جمال الحياة رغم معاناتها
أما على الصعيد العربي فقد عرفت الأدب العربي العديد من الأسماء التي نذرت حياتها للكتابة نجيب محفوظ صاحب نوبل الأدبية قد كرّس جلّ عمره لكتابة رواياته التي جسّدت واقع المجتمع المصري والعربي رغم العوائق السياسية والاجتماعية التي واجهته مع ذلك لم يتوقف عن الكتابة حتى في أحلك أيامه طه حسين الذي عُرف بأدبه النقدي وأسلوبه المبدع كان شخصًا حارب الظلام بعقله وقلمه وفتح أبواب المعرفة للعالم العربي رغم تحديات الإعاقة البصرية التي عاشها طوال حياته كما نذكر جبران خليل جبران الذي لم يتوقف عن الكتابة حتى في ظل الاغتراب والحزن حيث كانت كلماته بمثابة سلاح ضد محنته الشخصية ووسيلة للتعبير عن روح الإنسان
وفي الأدب المغربي نجد محمد شكري الذي نذر حياته للكتابة رغم الظروف الصعبة التي عاشها، خاصة في شبابه، حيث كانت كلماته بمثابة تحدي لكل الصعاب والتقاليد وخلّف لنا روايات كـ “الخبز الحافي” التي أصبحت مرجعًا في الأدب العربي المعاصر، وكذلك أحمد المديني الذي عاش حياة أدبية مليئة بالألم والفكر الثاقب، كما كان له تأثير عميق في الرواية المغربية وكذلك رشيد مشهراوي الذي ظل يعمل طوال حياته ليكتب عن التجربة الإنسانية في مغربه
إذن الكتابة ليست مجرد وسيلة للتسلية أو الهواية بل هي تعبير عن حياة كاملة مليئة بالتحديات والآلام الكتابة هي قوة لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها بالكامل هي ما يدفع الكاتب للتغلب على كل شيء من أجل أن يروي حكايته
زبدة القول أن الكتابة هي لغة الروح وأداة التعبير الأسمى عن الذات الإنسانية هي أكثر من مجرد حروف وكلمات هي حياة مليئة بالتفاصيل والتجارب والأحلام التي لا تموت من يكتب لا يسعى إلى المجد أو الشهرة بل إلى خلود الكلمات التي تبقى أطول من الزمن الكتابة ليست فقط فنًا بل هي ضرورة وجودية وهي جسر يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل بين الكاتب والقارئ

