بقلم : الحسين افقير
عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال لقائه بمناضلي الحزب في إقليم الجديدة، يوم السبت 1 مارس من أجل لقاء تواصلي يتم التمهيد فيه لخرجة وطنية لرئيس الحزب والوزراء المنتمين للحزب في أبريل القادم، ستشمل جميع جهات المغرب.
في هذا اللقاء فاجأ رئيس الحكومة الحضور بسؤاله عن ستريمر إلياس المالكي ، المعروف بنشاطه في مجال البث المباشر (الستريمنج) على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة على منصة كيك، وفيسبوك، ويوتيوب. يُعتبر واحدًا من أشهر المؤثرين الرقميين في المغرب والعالم العربي. “رئيس الحكومة يسأل: ماذا عن إلياس المالكي؟”
سؤال رئيس الحكومة عن مؤثر ينشط في مجال البث المباشر الذي يقدم محتوى تافه منحط لا قيمة لمضمونه ، لا يتقن سوى لغة السب والشتم، وقد تمت مقاضاته أكثر من مرة بعدة تهم من بينها تهمة التحريض على الكراهية والتمييز التي كانت محط شكايات جمعيات وشخصيات أمازيغية قبل تنازلها عن الدعوى.
ما يثير الاستغراب هو أنه ثاني أعلى هرم في الدولة يسأل عن مؤثر لا يقدم سوى التفاهة، فسؤال رئيس الحكومة لم يأتي من فراغ ، بل هو تأكيد لحضور التفاهة في المشهد السياسي، وأن نشاط رجل السياسة التافه أصبح بارزا للعيان، خاصة عندما يسأل عن تافه لا يقدم أي شيء يذكر للمجتمع، عوض أن يسأل رئيس الحكومة عن المناضلين من أبناء مدينة الجديدة الذين قدموا الكثير للسياسة، تجده منشغلا بالسؤال عن تافه، فهذا يعني تمييع الحياة السياسية وافراغها من المناضلين وإحلال محلهم تافهين، لن يقدموا شيء سوى الرداءة الرقمية، فالتافه لا يتحمل الذكي معه بل يعتبره عدوا.
سؤال رئيس الحكومة عن الستريمر هو في الحقيقة هو صناعة مشهد سياسي جديد، يتماهى معه الفاعل السياسي ويطبع معه، بحيث يتم استبعاد الكفاءات والأذكياء واستقطاب البلهاء، بل وإعطائهم الشرعية والقدرة الصارمة والفاعلة على المستوى الجمعي، يعني فرضهم على الجميع، ويصبح الحزب الحاضنة التي توفر شروطاً لنمو الطحالب التافهة، عوض صناعة أطر قادرة على تقديم الكثير للوطن.
رئيس الحكومة لما لا يسأل عن مشاكل أبناء مدينة الجديدة وما تواجههم من تحديات، وكيف السبيل للقضاء على البطالة في المدينة، وإيجاد حلول سريعة لمشاكل أبناء مدينة الجديدة، تجده سائلا: “فين هو إلياس المالكي”؟، كأنه انتهى من حل كل مشاكل المغرب، لكي يتفرغ لسؤال عن شخصية افتراضية لا تقدم شيئًا سوى محتوى منحط وسخيف.
حينما يسأل رئيس الحكومة عن ستريمر فهو يحرص على ترويج الإنحطاط والبلاهة عن طريق سؤاله ، حتى يتوهم الحضور أن الشخص الذي يسأل عنه رئيس الحكومة أهم من المناضلين الحاضرين، بحيث إذا أرادوا أن يسأل عنهم رئيس الحكومة في اللقاءات الحزبية عليهم أن يكونوا كلهم لهم نفس مستوى التفاهة بل ويتسابقون مَن أكثرهم بلاهة وتفاهة لكي يحظوا بسؤال الزعيم الحزبي عنهم.
من سؤال رئيس الحكومة نستنتج في هذه الحالة، كيف تتحول التفاهة إلى استراتيجية ليست فقط للتسلية، بل أيضًا لإلهاء الجماهير عن مشاكلهم الحقيقية التي يتخبطون فيها، كالغلاء، البطالة، الخ…
في هذا السياق يمكن التذكير بالقائمة التي أعدها المفكر «نعوم تشومسكي» واختزل فيها الطرق التي تستعملها وسائل الإعلام العالمية للسيطرة على الشعوب اختزلها في 10 استراتيجيات أساسية، من أخطرها تشجيع الناس على استحسان التفاهة و الرداءة والقبول بها والسماح بتوسيع نطاقها وإقناع الناس بأنهم يواكبون التطور، والهدف أن يسيروا رعاعًا كالقطيع نحو كل ما هو تافه ورديء!، كلام جدير بالتأمل والتفكر.
في كتاب عنوانه «جعلوني تافهًا» ركز مؤلفه مازن أشرف على ما أسماه تشريد سمعة التفاهة، ودعم كل خطوة يراد منها الانتصار على التفاهة، ويستعرض قصص بعض التافهين ممن توغلوا في مواقع التواصل الاجتماعي وبالأخص موقع فيس بوك، منهم من يعيشون دور الوطنيين ويهتفون في صفحاتهم بالوطنية، ومنهم من يتحرش بعقول الناس ويهينهم، ومنهم من يستخف بهم فكريًا، ومنهم من يفتي في شؤون الدين بفتاوى غريبة ليس لها علاقة بأي دين من الأديان السماوية، يحلل ويحرّم كل شيء كيفما شاء، يتزينون بالزي الديني الخارجي قبل اهتمامهم بتزيين قلوبهم بعطر الدين الداخلي، ويخلص إلى ضرورة مواجهة كل أنواع وأشكال ومصادر التفاهات وعدم التهاون والصلح مع التافهين.
وفق “آلان دونو” عالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام قد سيطر عليه التافهون، وفلقد ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر حسب قوله..يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم واستبدلوا السياسة بمفهوم “الحوكمة”، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم “المقبولية المجتمعية”، والمواطن بمقولة “الشريك”. في النهاية صار الشأن العام تقنية “إدارة”، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا، وصارت الدولة مجرد شركة خاصة..صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد، وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة “زمرته”، وقاعدة النجاح فيها أن “تلعب اللعبة” وتنخرط فيها.
صحيح أن الالتفاف الجماهيري الواسع حول الخرافي والتافه والغرائبي والمضحك والمُسَلّي والفوضوي له تاريخه الذي لا يُنْكر، مقابل ضآلة جمهور الجاد والعقلاني والمتسق/ المنتظم في صيرورة فعل أو قول. فالمفكر الفرنسي/ غوستاف لوبون كثيرا ما أكّد (وخاصة في كتابيه: “الآراء والمعتقدات” و”سيكولوجية الجماهير”) على أن الجماهير تنفر من العقلاني والجِدّي والصادق، وتنجذب بشدة إلى الخرافي واللاّهي والعاطفي والغرائبي والفوضوي.
سؤال أخنوش عن إلياس المالكي ليس سؤال اعتباطي أو سؤال عفوي، بل جزء من المشهد السياسي التافه الذي يتداوله السياسيون عوض أن يتداولوا مشاكل وهموم الشعب تراهم منشغلين بالتفاهة، حيث تصبح التفاهة أداة لتوجيه الرأي العام، وفق منطق جديد يقوم على الإلهاء.
الخلاصة أن هناك من يصنع كل أنواع التفاهات، وهناك من يمررها ويروج لها، وهناك من يهادنها ويتساهل معها، وهناك من يتسلق سلمها ويدخل في لعبتها ويستثمرها، تفاهات فعلاً جعلت بعض التافهين يظهرون بمظهر العمالقة في كل شأن ومجال وميدان، وبالأخص حينما يسأل عنهم رئيس الحكومة وزعيم حزب سياسي معين.

