بقلم: السيناريست سعيد ودغيري حسني
مررت قرب محطة عين الشق للإذاعة والتلفزة فتوقفت لحظة ليس بجسدي ولكن بروحي التي أخذتني إلى زمن مضى. تذكرت وجوهًا كانت تملأ المكان بالحيوية منهم من قضى نحبه ومنهم من لا يزال ينتظر لكن ذكراهم لا تزال محفورة في ذاكرة الزمن. تذكرت أصواتًا كانت تملأ بيوت المغاربة وشاشات كانت تنقل لهم فنًا راقيًا وإبداعًا صادقًا نابعًا من القلوب.
تذكرت السهرات العمومية التي أخرجها أحمد حيضر أطال الله عمره، ذلك المبدع الذي كان يحوّل كل أمسية إلى لوحة فنية حيّة تُبث مباشرة على الهواء. تذكرت برنامج “أسماء الله الحسنى”، ذلك المشروع الذي كانت فكرته تتبلور في ذهني قبل أن تصبح حقيقة مضيئة على الشاشة حاملة روحانية خاصة ومعاني خالدة. وتذكرت “ألف لام” ذلك البرنامج الذي كنت أحد أبرز مؤلفيه والذي حمل في طياته رسالة ثقافية وفكرية عميقة.
وأين الحاج أحمد كليكم أطال الله عمره الصحفي الألمعي المدير الذي وإن تقاعد إداريًا، بقيت روحه وقلبه ينبضان إبداعًا. كان رمزًا للالتزام والانضباط لم يكن مجرد مدير للمحطة، بل كان قائدًا لمسيرة إعلامية وصوتًا ينطق بالمهنية والصدق.
إمكانيات الأمس وتطور اليوم
اليوم تغير كل شيء! صارت التكنولوجيا في خدمة الإعلام وصارت المعدات أكثر تطورًا لكن هل زاد الإبداع بقدر ما زادت الإمكانيات؟ هل بقيت الروح التي كانت تملأ المكان؟ بالأمس لم تكن هناك برامج ضخمة الإنتاج ولا كاميرات عالية الدقة ولا استوديوهات افتراضية لكن كان هناك إبداع صادق كان هناك جهد جماعي يسهر على تقديم مادة تليق بالجمهور.
في ذلك الزمن كانت التقنيات محدودة وكان البث يتم عبر أستوديوهات بسيطة بمعدات لا تقارن بما هو متاح اليوم. كانت الكاميرات كبيرة وثقيلة والأجهزة الصوتية بالكاد تواكب تطور العصر لكن كانت الفكرة هي الأساس وكانت الخبرة والتفاني في العمل يُعوّضان عن التقنيات الحديثة. المونتاج كان يتم يدويًا في غرفة ضيقة، حيث يتعامل المخرجون والفنيون مع أشرطة الفيديو والكاسيت في تنسيق يدوي طويل ومضنٍ، لكنهم كانوا يصنعون سحرًا ويخلقون لحظات حية في كل بث.
كان هناك نوع من التواصل المباشر بين كل أفراد الفريق من المعدين إلى المذيعين والمخرجين إذ كانت الأفكار تُناقش بشكل فوري وكانت الخلافات تُحل في دقائق. التعاون كان الأساس وعمل الجميع بروح الفريق الواحد على الرغم من الإمكانيات المحدودة. المخرج لم يكن يتحكم فقط في التوجيه والإبداع، بل كان جزءًا من كل شيء من اختيار الزوايا إلى التحكم في الإضاءة والصوت.
واليوم بفضل التطور التكنولوجي الهائل بات بالإمكان إنتاج برامج ضخمة في وقت قياسي وباستخدام تقنيات متقدمة في التصوير والمونتاج. الكاميرات أصبحت أخف وأدق والمعدات الصوتية أكثر تطورًا والبرامج أصبحت أكثر احترافية. ومع ذلك، تظل التكنولوجيا مجرد أداة يبقى الإبداع هو من يحركها.
لكن لا يمكننا تجاهل أن هذه الإمكانيات المتطورة قد جعلت عملية الإنتاج أسرع وأكثر كفاءة. ومع هذا، تظل هناك لحظات نادرة يشعر فيها الإنسان بأصالة العمل الإبداعي الذي كان يخرج من قلب الفريق بأقل الإمكانيات. في ذلك الزمن كان الإعلام رسالة حقيقية لا تقتصر على نقل المعلومات فقط بل كانت تسعى لبناء قلوب وعقول الجماهير فهل يمكن أن تحقق تقنيات اليوم نفس الهدف بنفس الروح؟
زمن السهرات والتجمعات
في تلك الأيام كان الناس يتجمعون عند من يملك جهاز التلفزيون لمتابعة سهرات السبت. كانت تلك السهرات تجذبهم بمشاركة نخبة من الفنانين الذين تركوا بصماتهم مثل المرحوم بوشعيب البيضاوي وفرقتته، والمرحوم عبد الرؤوف الذي اشتهر بالكوميديا لا بالغناء والمرحومة نعيمة المشرقي التي كانت ممثلة مبدعة والمرحوم المارشال قيبو. إلى جانبهم كان هناك فنانين آخرين مثل صلاح الدين بنموسى، هلال عبد اللطيف الصعرى العدراوي، فرقة البدوي، نور الدين بكر قرزز ومحراش والداسوكين وعزيز سعد الله وخديجة أسد، بزيز وباز، والقائمة تطول.
المحافظ الطيب السى محمد العروسي الإدجازي وكل من ساهموا في تلك الفترة كانوا نجومًا حقيقيين في سماء الفن والإعلام. وأعتذر إن لم أتمكن من ذكر كل الأسماء التي كانت جزءًا من تلك الحقبة الذهبية.
زبدة القول
محطة عين الشق لم تكن مجرد بناية بل كانت مدرسة، مختبرًا لصناعة المحتوى الذي بقي خالدًا رغم مرور الزمن. كان الإعلام رسالةً قبل أن يكون وسيلة، وكان الإبداع نابعًا من حب المهنة، لا مجرد بحث عن الأضواء.
مررت قرب المحطة اليوم فابتسمت بحزن. تبدلت الأيام وتغيرت الأساليب لكن بعض الذكريات تأبى أن تُمحى. يبقى الأمل في أن تعود بعض من تلك الأرواح التي صنعت مجد البث الأول، أن تبقى القيم النبيلة حاضرة في زمن العولمة والسرعة. فالإبداع الصادق لا يشيخ والإعلام الحقيقي لا يموت.

