في الآونة الأخيرة، عادت إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب عبر وسائل الاعلام وشبكة التواصل الاجتماعي مصطلحات شعبية ذات جذور اجتماعية واقتصادية، وعلى رأسها “الفراقشية” و”الشناقة”. وبينما كان هذان المصطلحان يرتبطان سابقًا بممارسات تقليدية داخل الأسواق والفضاءات القروية و الاسبوعية، فإنها اليوم تُستعمل في سياقات أوسع، غالبًا بطابع نقدي وساخر، ما يستدعي التوقف عند دلالاتها الأصلية وتحولاتها المعاصرة.
الفراقشية: من أسواق الماشية إلى الخطاب السياسي
“الفراقشية” هو مصطلح مغربي يُطلق تقليديًا على فئة من الأشخاص الذين يتنقلون بين الأسواق الأسبوعية لشراء وبيع الماشية، خاصة في المناطق القروية. غير أن هذا المصطلح اكتسب على مر السنوات حمولة سلبية، حيث أصبح يُشير إلى أولئك الذين يمارسون الغش والخداع في عمليات بيع الماشية، من خلال التلاعب بأعمارها أو حالتها الصحية، مستغلين قلة معرفة بعض المشترين.
ومؤخرا، انتقل المصطلح من أسواق المواشي إلى الخطاب العام، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، ليُستعمل كتشبيه ساخر وانتقادي لبعض الفاعلين الاقتصاديين أو السياسيين الذين يُتهمون بالمضاربة أو التلاعب بمصالح المواطنين، في تشبيه ضمني بأنهم يتعاملون مع “المواطنين كما يتعامل الفراقشية مع “السوق”.
الشناقة: سماسرة الأسواق وتجار الوساطة
أما “الشناقة”، فهم تقليديًا أولئك الوسطاء الذين يتواجدون في الأسواق الشعبية، خاصة في بيع الماشية أو الخضر والفواكه، حيث يلعبون دور الوسيط بين الفلاح أو المنتج والمستهلك، وغالبًا ما يجنون أرباحًا مهمة دون أن يساهموا في عملية الإنتاج.
في التداول الشعبي، يحمل هذا المصطلح دلالات سلبية، إذ يُنظر إلى الشناقة كطفيليين يستفيدون من تفاوت الأسعار وغياب التنظيم، ويُتهمون بتضخيم أثمان المواد، خصوصا في فترات الأزمات أو المناسبات كعيد الأضحى. وفي ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، أُعيد إحياء هذا المصطلح بكثافة على منصات التواصل، كرمز للفساد الاقتصادي الصغير واليومي الذي يرهق جيوب المواطنين.
من الأسواق إلى “السوشيال ميديا”: تعبير عن الغضب الشعبي
تعكس عودة هذين المصطلحين إلى الواجهة حالة من الغضب الشعبي تجاه ممارسات يُنظر إليها على أنها استغلالية وغير أخلاقية، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي. ومن خلال هذه اللغة الشعبية المشبعة بالرمزية، يُحاول المغاربة التعبير عن رفضهم لأشكال من الوساطة والسمسرة والاحتكار التي تزيد من معاناتهم المعيشية.
وبالتالي، فإن تداول “الفراقشية” و”الشناقة” في الخطاب العام اليوم، لا يُعبر فقط عن الحنين إلى مفردات الذاكرة الشعبية، بل يُترجم أيضا محاولة المجتمع لإيجاد لغة قريبة من الواقع لوصف ظواهر معقدة بأسلوب ساخر، لاذع، وأحيانا لافت للنظر أكثر من أي تحليل أكاديمي .
عندما تُصبح اللغة الشعبية أداة للاحتجاج الرقمي
في سياق الإعلام الجديد، حيث أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي منصات مركزية للتعبير عن الرأي العام وتشكيل النقاشات المجتمعية، يبرز استعمال المصطلحات الشعبية مثل “الفراقشية” و”الشناقة” كآلية رمزية وبلاغية قوية لنقد الواقع والتفاعل معه.
من منظور سوسيولوجي، يُمكن فهم هذا الاستعمال المتكرر على أنه جزء من دينامية احتجاجية رقمية، حيث يستثمر المواطنون اللغة القريبة من وجدانهم الجماعي لإضفاء طابع محلي وحادّ على خطاباتهم. فبدلاً من الاكتفاء بمفردات تقنية أو نخبويّة، تلجأ فئات واسعة من المغاربة، خصوصًا الشباب، إلى هذه المفردات ذات الجذور الشعبية، لما تحمله من حمولة وجدانية وسخرية ضمنية تُقوي وقع الرسالة وتُيسر انتشارها.
أما من الناحية الإعلامية، فإن بعض المنابر الرقمية ساهمت في تعزيز حضور هذه المصطلحات في الحقل العمومي، إما عبر تقارير ميدانية تتناول ظواهر السوق، أو من خلال إعادة نشر مقاطع فيديو ومحتويات ساخرة تستهزئ من سلوكيات المضاربين والمتلاعبين بالأسعار، مما جعل “الفراقشية” و”الشناقة” يتجاوزان حدود الدلالة الأصلية ليُصبحا رمزين لمنظومة اقتصادية يُنظر إليها باعتبارها غير عادلة وغير شفافة.
كما أن الطابع التفاعلي والفوري لشبكات التواصل ساعد في إعادة تدوير هذه المصطلحات وإعادة إنتاجها في سياقات جديدة، ما يجعلها تتطور لغويًا واجتماعيًا، لتأخذ مكانها داخل لغة النقد الرقمي الشعبي التي أصبحت سمة بارزة في الخطاب العمومي المغربي المعاصر.
أحمد أكلكيم صحافي و باحث في علم الاجتماع الاعلامي

