بقلم: سعيد ودغيري حسني
كانوا أطفالًا يركضون في الحقول
تتبعهم ضحكاتهم كالفراشات
يلونون الهواء بصيحات الدهشة
ويجمعون الأحجار كأنها كنوز من زمن الغيم
وكانت أقدامهم تعرف طريق العودة من غير خريطة
وكان الليل ينتهي بحكاية دافئة
وبصدر أم
وصوت أب
وطمأنينة ناعسة في سرير من قطن وأمن
لكن شيئًا ما تسلل
خفيفًا كالدخان
لامعًا كالوهم
باردًا كالزجاج
دخل البيوت بلا استئذان
واستقرّ بين أيدي الصغار
كأنما وُلدوا لأجله
وكأن أدمغتهم لُفّت في أسلاك ناعمة
لا تحس
ولا تشتاق
أجهزتهم الذكية
أكلت طفولتهم قطعةً قطعة
والمستطيل الصغير الذي يضيء
أطفأ قناديل الخيال
أجهز على القصص التي كانت تُروى
والمغامرات التي كانت تُرسم على الأرصفة
أجهز على الأشجار التي شهدت أول صعود
وعلى الكدمات التي كانت ميداليات الفرح
صارت أعينهم تلمع من فرط التحديق
لكن عقولهم تبهت
ذاكرتهم قصيرة
كأنهم لا يملكون ماضياً
خيالهم محدود
كأنهم سُجنوا داخل شاشة لا نوافذ لها
ولا رائحة تراب
لا صوت لضحكهم الحقيقي
ولا بكاء يخدش الصمت
كل شيء صار إلكترونيًا
حتى الفرح
حتى الغضب
حتى النوم
صاروا ينامون في حضن شاشة
ويستفيقون على نغمة اصطناعية
تقول لهم صباح الخير بدلًا من الأم
أين الطين
أين العصافير
أين المربى على الخبز الساخن
أين الجدات اللاتي كنّ يحكن بالصمت
وينسجن القصص من خيط الذكرى
إنه زمن الحصار الناعم
حيث لا جيوش ولا طغاة
بل جهاز واحد
يتسلل كالماء
ويهدم فينا البدايات
أيها الآباء
لا تحرموا أبناءكم من السقوط
من الجري
من الركض خلف سراب الفراشات
لا تحرموهم من ملل الحصص
ولا من ضجيج الحياة
فكل ذلك ضروري كي يصبحوا بشرًا حقيقيين
لا روبوتات بأجساد صغيرة
امنحوهم القصص
واجعلوا لأصواتكم حضورًا
تحدثوا معهم
اجلسوا أرضًا بجانبهم
علموهم أن العالم لا يُختزل في شاشة
وأن الحياة لا تُلعب
بل تُعاش
زبدة القول
الطفولة ليست مرحلة تُستهلك بسرعة
وليست حشوة زمنية بين الولادة والرشد
الطفولة هي البذرة
وما نزرعه فيها ينمو معنا
فاحذروا أن تزرعوا الضوء الخادع في عيون أبنائكم
واحذروا أن تصدّقوا أن الصمت المريح الذي تمنحه الأجهزة
هو هدوء حقيقي
فهو في الحقيقة
صوت ذبول الأرواح داخل عقول ما زالت تتشكل

