كتب/ محمد الضو السراج
أباينو أو رأس العين كما سماها آخرون، تعني بالأمازيغية المعنى العربي نفسه أي “العين” ولكن المعنى الأمازيغي فسر كلمة أباينو بالعين التي تعطي صبيبا كبيرا لايتوقف في أرض مستوية مياهها تنبع من فرشة مائية كبيرة.. في الطريق إلى اباينو على بعد حوالي 20 كيلومترا من مدينة شيشاوة حيث مقر السلطة،
وإن لم تكن مسرعا فلن تظهر واحة اباينو لعين العابر في اتجاه أگادير عبر إيمي نتانوت، كونها تقع في منخفض تحيط به هضاب الأطلس الكبير التي تلوح للناظر وتزداد ضخامة و علوا كلما اقتربت من إيمي نتانوت .. عند أكويدير وهو مركز صغير لاستراحة الحافلات والشاحنات العابرة في الاتجاهين نحو أكادير أو مراكش، نتحرف يسارا في طريق ضيق معبد وتسير نحو سبع كيلومترات تستقبلك بعدها عين اباينو ومركز آيت هادي مقر الجماعة وآيت اوزباير أقدم قرية في الواحة ..
عشنا فترة الستينيات أطفالا وحتى التسعينيات كهولا بهذه المنطقة الخلابة، ماء وعيون وخضرة يانعة تلف المكان وجمال أمازيغي أخاد، ونغمة حديث تترك احساسا في القلب وفي العين واثرا في الذاكرة لاينسى. مواويل سوسية ترددها في الصباح فتيات ونسوة وسط الحقول، يتردد صداها ممتزجا بموسيقى الطبيعة، تغريد الطيور وخرير المياه وأسراب الأبقار تهرول نحو المرعى، ابتسامة نساء يقمن بغسل الأواني والملابس على ضفاف المياه الجارية يحيين بابتسامة عريضة كل عابر و عليه أن يرد بأحسن منها،،
عين أباينو المعطاء المتدفقة بدون نقصان هبة من الله لقوم كانت السعادة والهناء والعيش الرغيد يلفهم في فضاء فريد حيث كل البيوت مفتوحة لكل قادم وكل غريب ، يلتمون كل مساء في “أسايس” رجالا ونساء للفرح والرقص، رقصات أحواش و كان يضبط إيقاعها حامل “تالونت”، الدف الصغير الذي يصدر ايقاعا متواترا تهتز له أرداف الرجال والنساء مع أصوات فرحة تتناوب على ترديد شعر إبن اللحظة . زمن اختفى كما اختفت كل مظاهر تلك السعادة الفطرية التي كانت هبة من أباينو.
تتدفق مياه عين أباينو العدبة عبر قنوات إسمنتية أقامتها السلطات الفرنسية في عشرينيات القرن الماضي، وتم تجديدها في أوائل التسعينيات، تسقي بساتين الكروم والزيتون والمشمش والرمان، وحقول الذرة بدواوير آبت اوزباير وتگمي نحماد وآيت هادي وأيت تافوكت وإبراشن وغيرها…
قبل بناء الفرنسيين قنوات صرف مياه العين نحو الحقول وتقليص ضياعها، شيد أمازيغ شيشاوة من مئات السنين مطاحن مائية صغيرة ( أزرگ azerg ) مبنية بالطين على جداول مياه العين، ومن المؤرخين المغاربة من يؤكد أن المطاحن المائية استعملت في المناطق الأمازيغية منذ ماقبل الميلاد ومنذ إن استوطنوا هذه المنطقة ..
تشتغل هذه المطاحن بالطاقة الناتجة عن تدفق المياه بقوة من قناة صغيرة خلف المطحنة صوب الجانب الأيمن من ماسورة خشبية كبيرة في أسفل بناية المطحنة، قوة المياه تدفع الماسورة إلى الدوران حول نفسها، وبقوة دورانها تدفع الرحى الحجرية الضخمة إلى الدوران في نفس الإتجاه بالقوة نفسها لطحن حبوب القمح أو الذرة أوالشعير بإتقان وجودة. في سقف المطحنة يتدلى كبس مخروطي مصنوع من القش أو الخشب ، تفرغ فيه الحبوب وتوجد فتحة صغيرة في أسفله تخرج منها الحبوب ببطء ودقة، نتيجة اهتزاز الكيس المرتبط بحركة دوران الرحى.
تسقط الحبوب بمقدار محدد في فتحة وسط الرحى الحجرية. وفي إمكان مشغل المطحنة التحكم في سرعة الرحى كي تعطي دقيقا ناعمًا أو خشنا حسب رغبة الزبون بواسطة لوح خشبي موصول بحبال بالماسورة أسفل الرحى، يستعمله مشغل المطحنة في تسريع أو تأخير دوران الرحى. عملية الطحن تتم من خلال دوران الرحى الحجرية فوق رحى حجرية أخرى من الحجم نفسه، ويتدفق الدقيق من جانبي الرحى حيث يتم جمعه ووضعه في كيس الزبون، بعد استخلاص نسبة من الدقيق ( لعشور ) تعويضا عن عملية الطحن. وعند الانتهاء يقوم مشغل المطحنة بإغلاق القناة المائية التي تشغل الرحى وصرف المياه إلى قناة مائية جانبية موجهة لري المزروعات .
كان سكان دواوير أباينو الراغبين في طحن مابحتاجونه من دقيق، يتوجهون باكرا صوب المطاحن المائية الست الموجودة على طول القنوات المائية لعين أباينو.الموزعة وسط حقول الواحة.
شكلت تلك المطاحن إلى حدود نهاية سنوات التسعينيات مركزا مهما في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بهذه المنطقة ونسقا اجتماعيا مفتوحا للرجال والنساء لتبادل الأخبار بين مختلف الفئات داخل مجتمع صغير يتميز بنشاطه الفلاحي المنتج وبانفتاحه الديني و الثقافي والاجتماعي ، وكانت هذه المطاحن المائية تشتغل ليل نهار وفي جميع الأيام وفِي المناسبات كالأعراس والأعياد وغيرهما. وكانت بمثابة الشريان اليومي للحياة الاجتماعية بمنطقة تتكون من 16 قرية أمازيغية يبلغ عدد سكانها حاليا حوالي 10 آلاف نسمة.
عين أباينو تراث تاريخي يعود لآلاف السنين ونموذج حيّ للتراث الثقافي والمائي والسياحي بمنطقة شيشاوة، هذه الثروة الثمينة والكنز الفريد يندثر اليوم ويطاله الإهمال والتخريب، نتبجة ماتعرفه المنطقة من إهمال و زحف إسمنتي متواصل، تهدمت الجدران الطينية للمطاحن الست التي قاومت عوادي الزمن وسقط سقفها وشح ماؤها وتوارى دورها وأصبحت أطلالا ..
مازاد من استفحال المشكل تسلط شركات المغرب الأخضر التي استولت منذ 15على الفرشة المائية ومجرى الينابيع التي تزود عين أباينو بالمياه، حفروا عشرات الآبار وحول ثرواتها المائية إلى عشرات الضيعات الخاصة، التي دمرت عين أباينو ودمرت تاريخ المنطقة وتراثها الثقافي وقضت نهائيا على نمط عيش فلاحي ونظام أمازيغي لتنظيم السقي استمر قرونا، سياسة المغرب الأخضر كانت وبالا على المنطقة حيث تم فتح المجال عشوائيا لشركات خاصة بدون دراسة وبدون دفاتر تحملات تحدد كميات المياه التي ستستغلها، مع إهمال تام للجوانب الثقافية النادرة في هذه المنطقة وغياب الدعم للحفاظ على نمط عيش سكان هذه المنطقة الذي اندثر ويكاد يختفي بكل حمولاته التراثية، ما يعد جريمة حضارية تستوجب المساءلة.
كل هذا يجري في غياب اهتمام مسؤولي السلطات المحلية، وولاية مراكش ووزارة الثقافة ووزارة الأوقاف ومتحف الماء بمراكش…ولعل هذا المنشور يكون حافزا للتفكير والعمل على تدارك و صيانة هذا التراث الثقافي وإعادة الحياة اليه كشاهد على قدرة المغاربة وإبداعهم واستغلالهم لمحيطهم البيئي لبناء حياة طبيعية وكريمة …!!

