نيويورك / عبد الكريم مومن
المغرب.. أبو الدنيا الحقيقي: من أقدم إنسان عاقل إلى ريادة المعرفة العالمية.
إتفق علماء التاريخ أن التاريخ لايكتب كرواية، لأن الكتابة يمكن شحنها بأجندات تخدم طرف دون الآخر (خصوصا بالعصور الأولى القديمة) وفي غياب روايات مختلفة يمكن الإحتكام لها للمقارنة، وكذلك عدم ظهور الكتابة والمناهج إلا بتاريخ متأخر، فالدليل التاريخي حسب العلماء هو القائم على الحفريات والرموز والأدوات.
إذن هنا نذهب وراء العلماء، فالتاريخ تاريخين: تاريخ ما قبل الدولة (حضارة غير مكتوبة الحفريات والنقوش والعظام وتحليل الحمض النووي)
وتاريخ ما بعد الدولة ( تكوين السلطة والواوين والضرائب والجيش…)
فلقب أبو الدنيا الذي يطلق على المغرب ليس مجرد مجاز، بل هو حقيقة أثرية تؤكدها الحفريات العالمية الحديثة، بذلك أصبحت حضارات الصين وبلاد الرافدين ومصر القديمة والرومان والفنيقيين واليونانيين وغيرهم يأتون تباعا بالصف. بحيث انقلب فهمنا لأصل البشرية بعد اكتشاف موقع جبل إيغود في المغرب ( حتى إشعار آخر نظل نحن الأقدم) ، حيث عثر على أقدم بقايا معروفة على الإطلاق للإنسان العاقل (Homo sapiens). هذا الكشف، الذي نشر في مجلة Nature عام 2017 من قبل فريق بقيادة البروفيسور جان جاك هوبلن، قدر عمر البقايا بـ 315,000 سنة، مما يرسخ المغرب كنقطة انطلاق رئيسية لجنسنا البشري.
لم يقتصر السبق المغربي على الوجود البيولوجي، بل امتد إلى التطور الثقافي. فقد أثبتت الدراسات المنشورة في مجلة Science Advances وجود أقدم مجوهرات معروفة في العالم في كهف بيزمون، وهي خرز مثقوب يعود تاريخه إلى 142,000 سنة، مما يدل على ظهور السلوك الرمزي والزينة مبكرا جدا، كما تشير المكتشفات الأثرية إلى أن سكان المنطقة كانوا من أوائل من طوروا مهارات معالجة الجلود وصناعة الألبسة و فلاحة الأرض للزراعة عبر استغلال الموارد النباتية بشكل منهجي. وفي مجال التنظيم الاقتصادي، يعتبر المغرب موطن أول نموذج للبنوك بشكلها المؤسسي لحفظ الثروة، وهي أغادير (المخازن الجماعية المحصنة)، التي مثلت أقدم النماذج المؤسسية الموثقة للحفظ الجماعي المنظم للثروة، وتختلف عن بنوك السوماريين بالعراق القديم.
تاريخ الريادة الممتد: من التجارة إلى المعرفة والمدنية، ولازال أمامنا الكثير لبحث تاريخنا السياسي، لأن هذا الأخير يبدأ من ظهور مجتمع منظم تحث إدارة ودواوين تحكم مجموعة من السكان فوق رقعة أرضية معينة بإستقرار.
فمنذ تأسيس أول دولة إسلامية مركزية في المغرب، ازدهر كقوة عظمى ربطت بين القارات، وتميز بمراكز حضارية لم تنطفئ:
أقدم جامعة في العالم: تأسست جامعة القرويين في فاس عام 859 م على يد فاطمة الفهرية، وهي تعتبر أقدم مؤسسة تعليمية عليا مستمرة في العالم. هذا الإنجاز موثق ومعترف به من قبل موسوعة غينيس للأرقام القياسية وتقرير اليونسكو.
الريادة الجغرافية (الشريف الإدريسي): قدم العالم المغربي الشريف الإدريسي إسهامات جغرافية هائلة بخريطته الخريطة الإدريسية (1154م)، والتي يصفها الجغرافيون بأنها من أدق وأقدم الخرائط العالمية التي جمعت بين المعارف الكلاسيكية والإسلامية.
علم الاجتماع من فاس: على الرغم من ولادته في تونس، فإن العلامة ابن خلدون، الذي يعد الأب المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع الحديث (العمران البشري) كما يشهد المؤرخ آرنولد توينبي، قد وضع جزءا كبيرا من مقدمته الفلسفية والتاريخية في مدينة فاس أثناء إقامته وعمله في البلاط المريني.
أدب الرحلات (ابن بطوطة): الرحالة المغربي ابن بطوطة (من طنجة) أسس أدب الرحلات بسفره الذي غطى معظم العالم المعروف في القرن الرابع عشر، وتعد مذكراته تحفة النظار موسوعة جغرافية وتاريخية.
قيادة التجارة والصناعة: بفضل موقعه، سيطر المغرب على التجارة بين أفريقيا وأوروبا، حيث كان مركزا رائدا عالميا في صناعة السكر وتصديره، بالإضافة إلى ازدهار صناعة الأسلحة المتقدمة التي استفادت منها الحضارات الأندلسية والأوروبية، كما تشهد السجلات الأرشيفية.
إكتشاف أمريكا: أما عن نظرية اكتشاف المغاربة لأمريكا، فهي تعتمد على شخصية مصطفى الزموري (إستيفانيكو)، الذي وصل إلى مناطق فلوريدا وأريزونا ونيو مكسيكو في عام 1527 م. هذا التأكيد مدعوم بالسجلات التاريخية الإسبانية للحملات الاستكشافية، ويعد الزموري أول شخص أفريقي موثق يصل إلى المنطقة.
تؤكد هذه الأدلة التاريخية والعلمية أن المغرب ليس مجرد دولة عريقة، بل هو مهد لأصول البشرية ومعارفها وعلومها على مدى آلاف السنين، يبقى أمامنا الكشف عن المزيد خصوصا تطور الإدارة بالمغرب القديم.
لأكون صريحا معكم ، تعمدت هذا الاستفزاز العلمي، فالنص ليس خاتمة، بل دعوة مفتوحة للجدل. أنا لا أملك الحقيقة ولا أدعيها، وما كتبته مجرد بداية لنقاش أطول مما نتصور. الآن يبقى السؤال: هل ستترك النص يمر… أم أنك ستقبل التحدي؟

