Le212news.ma
تحول مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة من مجرد ممر بحري استراتيجي إلى عنوان سياسي وعسكري للصراع الدائر في الشرق الأوسط. فإيران، التي تدرك جيداً أهمية المضيق في سوق الطاقة العالمي، تحاول توظيفه كورقة ضغط تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تعتبر واشنطن أن أي اتفاق لوقف الحرب يجب أن يمر عبر تحييد البرنامج النووي الإيراني، في وقت تواصل فيه إسرائيل رفع سقف مطالبها نحو تغيير النظام الإيراني نفسه.
المعطيات المتداولة حول المقترحات الإيرانية الأخيرة تشير إلى أن طهران أبدت استعداداً للدخول في تسوية تشمل إعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً، مقابل رفع الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بملف تخصيب اليورانيوم. كما تحدثت تسريبات إعلامية عن قبول إيراني بتجميد التخصيب لفترة زمنية محددة دون تفكيك المنشآت النووية، وهو ما يعكس رغبة إيرانية في الحفاظ على “القدرة النووية الكامنة” دون الوصول إلى مرحلة القنبلة النووية.
لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بالتخصيب، بل بطبيعة الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لمستقبل إيران في المنطقة. فالولايات المتحدة، بقيادة الرئيس، تبدو مصرة على منع إيران من الاحتفاظ باليورانيوم عالي التخصيب، معتبرة أن أي اتفاق لا يضمن ذلك سيكون مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
في المقابل، تذهب إسرائيل أبعد من ذلك، إذ لم تعد ترى في وقف التخصيب هدفاً كافياً، بل تعتبر أن بقاء النظام الإيراني الحالي يمثل تهديداً استراتيجياً دائماً لأمنها. ومن هنا يتضح أن الرؤية الإسرائيلية تتجاوز الملف النووي نحو إعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة عبر إضعاف طهران أو دفعها نحو تغيير داخلي عميق.
هذا التباين بين المقاربة الأمريكية والإسرائيلية يفسر حالة الغموض التي تكتنف مستقبل المفاوضات. فواشنطن تبدو أكثر اهتماماً بضبط الملف النووي ومنع انهيار سوق الطاقة العالمي، خاصة مع تأثير إغلاق هرمز على أسعار النفط والاقتصاد الدولي، بينما تنظر إسرائيل إلى الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط.
ورغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن الطريق ما يزال معقداً. فإيران تطالب بضمانات حقيقية لوقف الحرب ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، بينما تصر واشنطن على تسليم أو تخفيف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مع إبقاء الرقابة الدولية المشددة على البرنامج النووي.
وفي خلفية هذا المشهد، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية. فإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه لا يضغط فقط على الولايات المتحدة وحلفائها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. لذلك تحاول القوى الدولية تجنب الوصول إلى مرحلة الانفجار الكامل، لأن أي مواجهة واسعة قد تدفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، وتدخل الاقتصاد العالمي في أزمة جديدة.
السيناريو الأقرب حالياً لا يبدو “سلاماً نهائياً”، بل هدنة هشة قائمة على تبادل المصالح والضغوط. فإيران تحتاج إلى تخفيف الحصار الاقتصادي، والولايات المتحدة تريد احتواء التوتر دون الانجرار إلى حرب طويلة، بينما تحاول إسرائيل استثمار اللحظة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاستراتيجية.
وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستتوقف الحرب؟ بل أصبح: أي شرق أوسط سيولد بعد هذه الحرب؟ شرق أوسط التسويات المرحلية والتوازنات المؤقتة، أم شرق أوسط جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوى بالقوة العسكرية والضغوط النووية؟
في كل الأحوال، يبدو أن “هرمز مقابل وقف الحرب” ليس مجرد عنوان تفاوضي عابر، بل معادلة سياسية تختصر صراع الإرادات في المنطقة، حيث تختلط الجغرافيا بالطاقة، والنووي بالأمن، والحرب بالتفاوض.

