عبد الكريم مومن
مفهوم الدولة التنموية الذكية هي التي لا تكتفي برفع الشعارات، بل تبني اقتصادا مرنا يستطيع امتصاص الصدمات والتحول بسرعة. النقطة المهمة هنا هو الربط بين الأجور، والإنتاجية، والتكنولوجيا، والتنمية المجالية، بدل النظر لكل ملف بشكل منفصل. وهذا بالضبط ما ينقص عددا من الاقتصادات النامية:
الرؤية الشبكية المترابطة.
إذا أردنا ترتيب الأولويات ببراغماتية، فالمغرب لا يحتاج إصلاح قطاع واحد فقط، بل يحتاج سلسلة إصلاح مترابطة تبدأ من الإنسان ثم تمر عبر السوق والإدارة والإنتاج.
وأكبر عائق أمام الدولة ليس الإمكانيات، لكن جزء من التحدي لا يرتبط فقط بالإمكانيات، بل أيضا بمقاومة التغيير وضعف الانسجام المؤسساتي والسلوكي مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
أولا: ما الأولوية القصوى؟
برأيي، الأولوية ليست التعليم وحده، ولا الفلاحة وحدها، بل:
رفع إنتاجية الإنسان المغربي
لأن:
التعليم بدون سوق حديث ينتج بطالة حاملي الشهادات (صحيح مواطن يحمل شهادة عليا لكن دون تطوير ثقافة الإبتكار وخلق الحلول بل حتى العجز عن تسويق مؤهلاته، كأنك أنتجت مواطن غير قادر على الإنتاج وهو مشروع باحث عن إقتصاد ريع أو موظف/ عامل غير منتج) .
والفلاحة بدون لوجستيك وتكنولوجيا تبقى فقيرة.
ورفع الأجور بدون رفع الإنتاجية يؤدي إلى التضخم وفقدان التنافسية.
لهذا فالمفتاح الحقيقي هو:
كيف نجعل العامل المغربي ينتج أكثر في الساعة الواحدة، بجودة أعلى، وبكلفة أقل؟
هنا تدخل:
الأتمتة الخفيفة.
الذكاء الاصطناعي.
الرقمنة.
التكوين المهني.
تقليص البيروقراطية.
والتنمية المجالية.
المغرب 2035: اقتصاد السرعة والإنتاجية بدل اقتصاد الأجور الضعيفة
1- لماذا رفع الأجور وحده قد يكون خطيرا؟
إذا رفعت الأجور بشكل إداري فقط، دون زيادة الإنتاجية: سترتفع كلفة الإنتاج.
فتزيد الأسعار.
وتفقد الشركات قدرتها التنافسية.
وقد تتجه للاستيراد أو التسريح.
هذا ما وقع في عدة دول نامية.
ففكرتنا تذهب إلى حل أذكى:
رفع أجر العامل عبر مضاعفة إنتاجيته بالآلة والذكاء الاصطناعي.
وهذا هو النموذج الذي اتبعته دول مثل:
كوريا الجنوبية
ألمانيا
واليابان
وسوف تتبعه العديد من الدول لعدة أسباب منها النزعة الوطنية الحالية بالعالم ( إستهلاك منتوج وطني بدل المستورد، ثم خلق طبقة متوسطة قادرة على الإستهلاك وتعويض فقدان أسواق خارجية) وهذا قابل للتنزيل شريطة تقليل الإعتماد على الخارج خصوصا الطاقة ونقل التكنلوجيا.
2- كيف تجعل الآلة العامل أغلى وليس أرخص؟
الخوف التقليدي يقول إن الروبوتات ستأخذ الوظائف.
لكن النموذج الذكي يقول:
آلة صغيرة + عامل مؤهل = إنتاجية عاملين أو ثلاثة.
وبالتالي:
الشركة تربح أكثر.
العامل يصبح أكثر قيمة.
ويمكن رفع راتبه دون قتل التنافسية
هنا يصبح:
العامل أقل عددا.
لكنه أعلى مهارة وأعلى دخلا.
والشركة أكثر قدرة على التصدير.
هذا هو الفرق بين:
اقتصاد اليد الرخيصة.
واقتصاد العامل عالي الإنتاجية.
3- أين يمكن للمغرب تطبيق هذا بسرعة؟
أ) الفلاحة الذكية
القطاع الفلاحي بالمغرب ما زال يضيع:
الماء.
الوقت.
المحاصيل.
وسلاسل التوزيع واللوجستيك.
الحل:
حساسات ذكية للري.
طائرات درون للمراقبة.
منصات رقمية للبيع المباشر.
آلات خفيفة مشتركة بين التعاونيات.
مثلا:
العامل الذي كان يسقي هكتارين.
يمكنه مراقبة 20 هكتار عبر الهاتف ( خصوصا وأننا نعيش عصر ندرة العامل الفلاحي اليوم).
ب) اللوجستيك والأسواق
واحدة من أكبر مشاكل المغرب ليست الإنتاج فقط، بل:
الفوضى بين المنتج والمستهلك.
أحيانا:
الفلاح يبيع الطماطم بدرهمين.
والمواطن يشتريها بـي 10 دراهم.
الفرق يذهب:
للوسطاء، (بسبب بسيط وهو رقمنة وكودين للسلع، لأن هاته الرقمنة ستقود مباشرة لمعرفة من هو الشخص او التعاونية او الشركة المنتجة وبالتالي يسهل التواصل المباشر ومعرفة الثمن الأصلي).
والهدر.
وضعف التخزين.
الحل:
رقمنة أسواق الجملة.
تتبع الشاحنات.
مزادات إلكترونية.
تعاونيات لوجستيكية جهوية.
مثال بسيط، الأسواق التشاركية ينقصها موقع إلكتروني للبيع والتوزيع، وهكذا تضيع فرص ضخمة للترويج الإقتصادي للقطاع المجالي بسبب عدم قدرة كم هائل من الزبناء للشراء عن بعد.
ج) الإدارة والبيروقراطية
أخطر نزيف اقتصادي غير مرئي هو:
الوقت الضائع.
شركة قد تنتظر:
6 أشهر لرخصة.
أو سنة لربط كهربائي.
أو أسابيع لوثيقة بسيطة.
بينما في اقتصادات سريعة:
الزمن جزء من رأس المال.
لهذا:
رقمنة الإدارة ليست رفاهية.
بل إصلاح اقتصادي مباشر.
كل يوم تأخير إداري:
يقتل استثمارا.
أو يدفع المستثمر للهرب.
4- التنمية المجالية: المغرب بسرعتين
المغرب اليوم يعيش فعليا:
مغرب ساحلي سريع.
ومغرب داخلي بطيء.
وهذا خطر استراتيجي.
لأن:
الهجرة الداخلية تضغط المدن.
وتفرغ القرى، وأصبحنا أمام مدن كبرى هي في الحقيقة عبارة عن دواوير كبرى، وهذا مشكل خطير جدا لأنه يخفض القيمة السوقية للمدينة بشكل كبير جدا ويحمل الدولة عبئا أكبر لإستثباب الأمن وتطوير شبكات النقل والخدمات العامة والترفيهية.
وترفع البطالة الحضرية.
وتخلق هشاشة اجتماعية.
الحل ليس فقط الدعم المالي، بل:
نقل القيمة الاقتصادية إلى الجهات.
مثلا:
بدل بيع الزيتون خاما:
مصنع زيت.
مصنع تعليب.
تسويق رقمي.
تصدير محلي باسم المنطقة.
تكلمنا عن قطاع الزيوت لأنه أقرب للفهم، وكان فعلا قطاع رائد ولا زال، لكن يحتاج لتطوير ومراقبة خصوصا عندما ظهر للوجود مشكل الغش والتلاعب وتدخلت الدولة مشكورة لإعادة التحكم بالجودة، لذلك يجب أن نبقى حذرين جدا أمام العشوائية وخلق شركات صورية لإدارة إقتصاد غير مهيكل خفي.
أي علينا تثمين الإنتاج قرب مصدره.
5- هل يحتاج المغرب إلى ثقافة الأسهم بدل الشركات العائلية؟
هذه نقطة جوهرية جدا، عادة نتكلم عن دعم الشركات الصغرى والمتوسطة، لكن ننسى أنها تعاني بشدة بسبب المواكبة وضبط قواعد المنافسة والسوق لذلك تتعرض للإفلاس وتسبب عدة مشاكل وهكذا نحل مشكل بمشكل أعوص منه، الحل يكمن في التكامل والمناولة بدل تكسير السوق.
المشكل في كثير من الاقتصادات النامية:
تفتيت رأس المال.
وتكرار نفس المشاريع الصغيرة.
ومنافسة مدمرة داخل القطاع نفسه.
مثال:
20 شركة عائلية صغيرة متوسطة الضعف ( قد يبقى دور هاته الشركات الصغرى مهم عند المناولة والتنمية المجالية، لكن دون الإخلال بتوازن السوق المؤدي لضعفها وإفلاسها، وهو ما يحدث حاليا من إفلاس مهول للشركات الصغرى والمتوسطة).
بدل:
شركتين قويتين قادرتين على:
البحث والتطوير.
التصدير.
التكنولوجيا.
التفاوض العالمي.
لهذا تشجيع:
البورصة.
صناديق الاستثمار.
الملكية المشتركة.
والتجميع الصناعي،
قد يكون تحولا تاريخيا.
لماذا؟
لأن السوق المالي يسمح ب: تجميع الرساميل الصغيرة.
تمويل التوسع.
وتقليل الاعتماد على القروض البنكية فقط.
6- السيناريوهات بالأرقام: كيف قد يبدو المغرب سنة 2035؟
السيناريو الإيجابي (إصلاح ناجح)
إذا:
ارتفعت الإنتاجية 4% سنويا.
وتم تقليص الاقتصاد غير المهيكل ( زيادة الإستهلاك الداخلي عن طريق رفع الأجور هي مفتاح القضاء على غير المهيكل).
وتحسن التعليم التقني.
وتسارعت الرقمنة.
فقد يصل:
متوسط الأجور الحضرية إلى 12–15 ألف درهم للطبقة المتوسطة المؤهلة ( الدولة سوف تستعيد حتى 25% ضرائب من الأجور وهكذا ترتفع مداخيل الدولة أيضا من دعم الإنتاج وزيادة الإستهلاك وخلق طبقة داعمة للإقتصاد الداخلي بقوة).
وتتضاعف الصادرات الصناعية.
وتنخفض البطالة الهيكلية.
ويرتفع الاستهلاك الداخلي بقوة.
هنا سوف تلاحظ تدوير الإقتصاد أو لنقتبس من المثل العامي ( من لحيتوا لقم ليه، لنصل لمعادلة توزيع عادل للثروة دون إخلال بمصالح كل الطبقات، أي رب العمل يرفع الأجور وهو أيضا يسترجع جزءا منها عن طريق رفع القدرة الشرائية التي تؤدي لإستهلاك المنتوج الوطني أيضا)
السيناريو السلبي (استمرار الترقيع، ولعب دور الإطفائي أو البريكولاج)
إذا استمر:
ضعف التعليم.
البيروقراطية.
الاقتصاد الريعي.
وفوضى التوزيع.
فقد يحدث:
ضغط اجتماعي أكبر.
وهجرة كفاءات.
وتضخم دون نمو حقيقي.
واتساع الفوارق المجالية.
نستخلص مما سبق أن المغرب لا يحتاج فقط:
أموالا.
أو قروضا
أو مشاريع إسمنتية ضخمة.
بل يحتاج:
ثورة إنتاجية هادئة.
ثورة تجعل:
العامل أكثر كفاءة.
والإدارة أسرع.
والفلاح أكثر ربحية.
والمقاولة أكبر حجما.
والجهات أكثر استقلالا اقتصاديا، وبتسيير أكثر سلاسة.
ورأس المال أكثر تنظيما.
النجاح الحقيقي ليس أن يصبح المغرب بلدا منخفض الأجور يجذب المصانع، بل:
أن يصبح بلدا متوسط الدخل عالي الإنتاجية، قادر على خلق طبقة متوسطة قوية تستهلك، وتستثمر، وتحمي الاستقرار الداخلي.
الأسئلة التي تطرح:
هل نعرف عدد الأراضي الفلاحية القابلة للإستغلال عن طريق الكراء؟
هل نعرف خريطة الماء عبر التراب؟
هل نعرف جودة التربة والنبات المؤهل للزرع حسب المناطق؟
صحيح المعلومات متوفرة لكن يصعب الوصول لها، فما السبب؟
نفس الشيء ينطبق على الصناعة والتجارة، وهنا نتكلم عن تغول الوسطاء بسبب نقص الشفافية التي يمكن أن توفرها الرقمنة، وماذا عن الرخص؟
المعلومة هي المشروع، وهناك نقص في التوجيه والمواكبة بسبب النزاع مع الوقت الذي يستزف جزء كبير من المستثمر والزبون، والإحباط يكون عندما تفتح موقعا وتجد معلومات غير محينة، وهنا تلغي الفكرة من أساسها، إذن من الضحية ومن المستفيذ؟

