نوراليقين بن سليمان
صحافي شرفي
ككل دخول اجتماعي و سياسيي ،سترتفع خلال هذه الفترة وتيرة النقاشات وسط السياسيين و النقابيين و باقي المهتمين بالشأن العام.ما يعرف بقيبيلة الصحافيين لها شأنها الخاص و لها انشغالات آنية ، و من المفروض أن يسود وسطها سجال حول قضايا معلقة،لعل أبرزها مسألة مراجعة الاختلالات التي تعاني منها قوانين مدونة الصحافة و النشر.
بارتباط مع هذا الموضوع هناك مهمة تجديد هياكل المجلس الوطني للصحافة و مواضيع ذات صلة ، تتعلق أساسا بكل ما هو اجتماعي و مهني ، مع فتح ملف التقاعد سواء بالنسبة للزملاء الذي تقاعدوا أو الزملاء الذين يزاولون المهنة و يقتربون رويدا رويدا من سن التقاعد.
سوف يتميز النقاش المرتقب و لا ريب بتفاوتات ،في الشكل و المضمون، و من حيث اللغة و المستوىات و أسبقية الانشغالات. و من خلال التجربة ، يبدو أن أسلوب التخندق الميكانيكي و بناء نقاش انطلاقا من مواقف عدائية ،تجاه هذا الطرف أو ذاك، أو رفع سقف النقاش بشكل ممنهج،كل هذه الأساليب سوف لن تؤدي إلى نتائج ملموسة و ذات قيمة لفائدة المهنة و المهنيين.
من هنا، تكمن الحكمة في التسلح ،في البداية و في النهاية، بأبجديات النقاش المنتج و الإيجابي الذي يميز بين ما هو آني و مستعجل، و بين ما ينبغي برمجته على أساس جدولة و التزامات واضحة .
نعم ، قد ندرك جميعا هذه الأبجديات،لكن لا بأس من التذكير بها باستمرار كي يسود الإحترام بين الجميع ،بعيدا عن لغة التشهير و الاتهامات الرخيصة، التي من حق أصحابها أن يرفعوها إلى القضاء إن كانت لديهم الحجج أو القرائن ضد خصومهم المفترضين .بمعنى آخر، إن النقاش الهادف و المطلوب يقتضي تصفية الأجواء و سط المهنيين بالدرجة الأولى، و على هؤلاء أن يدركوا أن لا أحد يمكن أن يلعب هذا الدور سواهم.
ترى كم عدد المهنيين المنتمين للجسم الصحافي؟
العدد واضح ،و قد لا يتعدى في أحسن الأحوال أربعة ألاف صحافي و صحافية ممن تتوفر فيهم المعايير أو الشروط المطلوبة .شخصيا أعتبر أن العدد ضعيف جدا ، ويعود بالأساس لقلة فرص الشغل في القطاع بسبب أوضاع الكثير من المقاولات الصحافية من جهة ،و بسبب مستوى الثقافة التدبيرية أساسا للعديد من مالكيها. أتمنى شخصيا أن يتضاعف العدد ،و يسعدني أن تصبح المهنة مغرية أكثر، بتعزيز مكانتها و توفير ظروف الاشتغال المريحة و تمتيع العاملين فيها بوضع اعتباري لائق و بمستوى مادي و معنوي مقبول و محترم .
حاليا ،مع الأسف،يلاحظ أن جزءا كبيرا ممن تورطوا في الاشتغال في مهنة الصحافة غير راضين و مستاءين، و البعض يشعر بألم لنظرة الآباء و الأقرباء و المجتمع لبؤس أحوالهم…
لا أريد إثارة موضوع حرية الصحافة، لأن هذه الحرية ليست معزولة و أعتبرها حلقة من حلقات مسلسل ،و بالتالي فهي تهم الفاعل السياسي و النقابي و الحقوقي، أي المجتمع برمته، و ليس حصرا على الإعلاميين.و حرية الصحافة لا تستقيم في ظل وضع مهني هش ،يتسم بالخوف وسط المهنيين و بانتشار الرشوة و الفقر و في ظل تسيب تحريري.عندما تتوفر الإرادة و يتم تحرير الجسم الإعلامي من العوامل المذكورة، و تحترم دمقرطة التحرير داخل المقاولات الصحفية، وقتها سيسود وضع جديد بالتأكيد ،وسيكون بمثابة جرعة فعالة للكرامة و للحرية.
مسألة أخرى ينبغي التنبيه إليها ، وهي في غاية الأهمية،عنوانها الأبرز هو أنه حان الوقت لجعل حد للخلط بين المهام و بين المسارات و بين المسؤوليات.
للتوضيح أكثر،إن مطالب الناشرين ليس هي نفس مطالب الصحافيين. و من المصلحة القول جهرا ” كفى من تبادل رمي الورود بين هيئات الناشرين و هيئات الصحافيين المهنيين”. على النقابة أن تلتزم بالدفاع عن منخرطيها و عن انشغالاتهم المهنية و منها المرتبطة بأوضاع الصحافيين المادية و الاجتماعية. و على النقابة أيضا التفرغ لتنظم المهنيين داخل إطارات على مستوى المقاولات و ليس الاكتفاء بتنظيمات فوقية معزولة عن القاعدة .
نفس الأمر بالنسبة للناشرين،هم بدورهم لهم مطالب خاصة بهم، و يهمهم أساسا البحث عن خطط و موارد لتنمية مقاولاتهم. لقد حان الوقت أن يستوعبوا و يفهموا أن القطاع الخاص ليس هو القطاع العام . والناشرون الذين ينتظرون أن تجني مقاولاتهم الأموال على حساب سخاء الدولة و من حصة الدعم العمومي و الإشهار، عليهم أن يضبطوا حساباتهم و يلتزموا بقواعد الاشتغال في القطاع الخاص و شروط الاستثمار فيه .و كمساهمة في النقاش ،أستعرض أسفلة بعض الاقتراحات قد تكون مداخل لتطوير و تنظيم المهنة، و هي كالتالي:1 ـ وضع قوانين تعرف المهنة و مقتضيات الولوج إليها و تنظيمها و ضبط شروط خلق مقاولات إعلامية و مسطرة الحصول على الدعم، الذي سيساعد المقاولة فيما بعد و لا يكون بديلا عن وجوب توفير كلفة مالية للاستثمار يتحملها الناشر.2 ـ التكوين و التكوين المستمر أمر حيوي و حلقة أساسية بالنسبة للمقاولة الصحفية،بيد أن التكوين الأساسي في الصحافة هو من اختصاص المعاهد و الكليات، و التكوين المستمر هو من صلب مهام المقاولة الصحفية، تتعاطى معه وفق حاجياتها و يمكن تنظيم دورات تكوينية من طرف هيأة ناشرين بعدما تحدد الحاجيات. و من باب الصراحة، لا يحق لأي تنظيم جمعوي أو نقابي أن يحشر نفسه في مهمة حساسة و خطيرة تتعلق بتكوين شهود على أحداث و من على عاتقهم نقل الحقائق بموضوعية و نزاهة و الجهر بكلمة حق. 3 ـ نقابات الصحافة مهمتها الدفاع عن حقوق منخرطيها و تأطيرهم . التكوين الذي ينبغي أن تهتم به النقابة هو رفع مستويات منخرطيها من حيث الثقافة النقابية و من أجل المساهمة في خلق نخب متجددة لممارسة التدبير و التسيير و احترام قاعدة الحق في التداول على تحمل المسؤوليات. هذا الأمر يقتضي تكريس عملية الإشراك و تكثيف تنظيم دورات تكوينبة للأطر في مجالات التأطير و التدبير النقابي و منهجيات التفاوض و تقنيات الإدلاء بتصريحات و صياغة و تحرير المحاضر و البلاغات و البيانات، و نصوص أخرى كالإتفاقيات و بروتوكولات اتفاقات،بالاضافة إلى تنظيم ندوات حول مستجدات المهنة و من أجل الاستفادة من تجارب نقابات صديقة،مع الحرص على تكريس ثقافة التضامن و الوعي بضرورة التناوب الديمقراطي على التسيير و القيادة .هذه هي المعايير القادرة على فرز نخب نقابية كفأة و مجربة، قادرة على تحمل المسؤولية في مختلف أجهزة التسيير، و بالتالي فرز منظمة نقابية يحسب لها ألف حساب.4 ـ الجمعيات و المراكز و المنتديات التي تعنى بالمهنة ينبغي أن تقتصر مهامها على إشاعة ثقافة إعلامية و مواكبة المستجدات في حقول الصحافة و عرض التجارب و خلق أنشطة ترفيهية و رياضية و فنية تساهم في تكريس قيم التآزر و الاعتراف.و التكوين و التكوين المستمر في مجال الصحافة ليس من اختصاصها.5 ـ تجويد أداء المجلس الوطني للصحافة، مع ضمان تمثيلة أوسع للصحافيين و الصحافيات المهنيين، و خلق هياكل داخله، قادرة عدديا و نوعيا على مواكبة مقتضيات تنظيم المهنة و شروط تأهيلها و تطهيرها و تكريس و صيانة الحق في تمتع الصحافيين بوضع اعتباري يحميهم من العوز و الانحراف و الاستغلال .6 ـ خلق مؤسسة تعاضدية و اجتماعية وحيدة ،خاصة بصحافيي الإعلام العمومي و الإعلام الخاص و العاملين فيه، مهمتها معالجة مشاكل الصحة و المعاشات و كل ما له علاقة بالأعمال الاجتماعية.7 ـ الناشرون أو مدراء النشر هم مشغلون، أي أرباب عمل بالدرجة الأولى،و لا يجوز لهم الاختفاء وراء صفة صحافي و لو كتبوا مقالات و حرروا افتتاحيات و شاركوا في ندوات و برامج.مهامهم الأساسية هي وضع البرامج و الاستراتيجيات لمقاولاتهم ،و البحث عن مقومات استمرارها و تطويرها تحريريا و تدبيريا و تسويقيا. و بعض صغار الناشرين عليهم جعل حد بوضع رجل في بيت النقابة و رجل أخرى في بيت هيئة للناشرين.8 ـ من أجل الحد من حالات الفقر و التسول وسط بعض من يعتبرون أنفسهم بصغار ناشرين ،على الدولة أن تشجع أكثر تلك المبادرات التي تعتمد على العمل التشاركي و التعاوني بين مجموعة من الصحافيين لخلق مقاولة صحفية نموذجية ، وذلك وفق شروط مدروسة يجتمع فيها المالي و التجربة المهنية مع الأخذ بعين الاعتبار الفترة التي ستقضيها المقاولة بدون دعمم ، أي الفترة الزمنية الفاصلة بين انطلاق المشروع و تاريخ طلب الدعم.9 ـ في سياق مقاربة متكاملة لوضع الإعلام المغربي على سكة الاصلاح الحقيقي،لا ينبغي الاستمرار في نسيان جيل قدم الكثير للمهنة ،وقدم خدمات جليلة لمؤسسات إعلامية و للوطن و لمختلف مكونات المجتمع الحقوقي و السياسي و النقابي و المدني و لسائر المهن.جبل ضحى و اشتغل في ظروف جد قاسية، وأعني هنا جيل الرواد و جيل الصحافيين و الصحافيات الذين تقاعدوا و الكثير منهم يعانون اليوم في صمت بسبب ضعف معاشات أغلبيتهم و ضعف تغطيتهم الصحية أو انعدامها لدى البعض أحيانا .ما أسلفت هو قد يكون عصارة تفكير ليس شخصي بالضرورة،بل قد نجده في ثنايا وثائق و تقارير و كراسات و توصيات صادرة عن مناظرات و جلسات و أيام دراسية أو مسلسل حوارات حول الإعلام .أخد هذا التراث بعين الاعتبار ، و اعتماد النقاش الهادئ و الناضج سيؤديان لا محالة إلى ملامسة مختلف الأعطاب الحقيقية ،و لا بد أن يسفر هذا المجهود عن تفاهمات و تحقيق مكاسب للمهنة و للمهنيين.النقاش الذي ينطلق من خلفيات معينة ، أو قد يبنى على أساس حسابات و طموحات خاصة ، لا يفرز سوى الانفعالات و المزايدات التي ستؤدي كالعادة إلى الأبواب المغلقة، ووقتها سيستفيد من يستفيد و يبقى المهنيون هم الضحايا ،و ستبقى المهنة في اندحار مبين…
نوراليقين بن سليمان
صحافي شرفي

